مقالات الرأى

السيد خلاف يكتب : الشرق الأوسط.. هندسة النفوذ بين الاحتواء الثلاثي وتحالفات البارود

“الشرق الأوسط على حافة إعادة تشكيل: بين تحرك احتوائي ثلاثي وتصعيد يقوده منطق التحالفات العسكرية”

لم يعد التصعيد الجاري بين إسرائيل وإيران مجرد جولة عسكرية عابرة يمكن احتواؤها عبر القنوات التقليدية، بل دخل مرحلة أكثر تعقيدًا تتشابك فيها الحسابات العسكرية مع إعادة هندسة التحالفات الدولية، في مشهد يعكس اقتراب المنطقة من نقطة تحول استراتيجية قد تعيد رسم توازناتها لعقود.

الضربات الإسرائيلية التي طالت العمق الإيراني لم تكن مجرد رد تكتيكي، بل تحمل دلالات أعمق تتصل بإعادة تعريف مفهوم الردع ذاته.

فإسرائيل، التي اعتمدت لسنوات على استراتيجية “المعركة بين الحروب”، تبدو الآن وكأنها انتقلت إلى نمط “الضرب الوقائي العميق”، وهو تحول يعكس قناعة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن ترك إيران تطور قدراتها دون كلفة مباشرة لم يعد خيارًا ممكنًا.

في المقابل، فإن الرد الإيراني- خصوصًا استهداف حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن”- يشير إلى أن طهران لم تعد تكتفي بإدارة الصراع عبر وكلائها، بل تسعى لفرض معادلة ردع مباشرة مع الولايات المتحدة نفسها، وليس فقط مع إسرائيل.

هذه النقلة تحمل في طياتها مخاطر تصعيد غير قابل للسيطرة، لأن إدخال الأصول الأمريكية في دائرة الاستهداف يعني عمليًا توسيع نطاق الصراع ليشمل قوة عظمى.

العمق الاستخباري للأزمة.. ما وراء الضربات:
المعطيات المتاحة تشير إلى أن ما يجري ليس تفاعلًا عفويًا، بل جزء من مسار تصاعدي تم الإعداد له تدريجيًا.
هناك مؤشرات واضحة على أن إسرائيل لا تتحرك بشكل منفصل، بل ضمن تنسيق عملياتي- ولو غير معلن- مع دوائر داخل المؤسسة الأمريكية، خاصة فيما يتعلق ببنك الأهداف داخل إيران، وأنماط الهجوم، واختبار منظومات الدفاع الجوي.

في المقابل، عملت إيران خلال الأشهر الماضية على إعادة توزيع قدراتها بشكل لافت، حيث تم تقليص الاعتماد النسبي على الميليشيات التقليدية، مقابل تعزيز أدوات الحرب غير المتكافئة، خصوصًا في المجال البحري.

الانتشار المتزايد للوحدات البحرية الصغيرة، القادرة على تنفيذ هجمات سريعة ومباغتة، يعكس تحولًا في العقيدة القتالية الإيرانية نحو استنزاف الخصم بدلًا من مواجهته مباشرة، أما الولايات المتحدة، فتبدو وكأنها تدير المشهد من خلف ستار “الانخراط المحسوب”.

إعادة التموضع العسكري خاصة في البحرين والخليج تتم دون ضجيج سياسي، في محاولة للإبقاء على هامش المناورة مفتوحًا، لا انسحاب كامل يضعف الردع، ولا انخراط مباشر يفتح باب الحرب الشاملة.

التحرك المصري-التركي-الباكستاني دبلوماسية تحت ضغط النار:
في هذا السياق المتفجر، يكتسب التحرك الثلاثي الذي تقوده مصر وتركيا وباكستان أهمية استثنائية، ليس فقط من حيث توقيته، بل من حيث طبيعته.

القاهرة تتحرك وفق عقيدة “الأمن الوقائي”، مدركة أن أي انفجار إقليمي سيضرب مباشرة أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي المتمثل في قناة السويس، كما أن تصاعد التوتر في البحر الأحمر يضع الأمن القومي المصري أمام اختبار حقيقي، خاصة في ظل تداخل المسارح بين غزة واليمن والقرن الأفريقي.

أنقرة، من جانبها، تحاول توظيف موقعها الفريد بين الشرق والغرب. فهي تمتلك قنوات اتصال مع جميع الأطراف تقريبًا، لكنها تدرك أن هامش المناورة يتقلص كلما اقتربت المنطقة من المواجهة المفتوحة.

لذلك، فإن تحركها الحالي لا يستهدف فقط الوساطة، بل أيضًا منع انزلاقها هي نفسها إلى معادلة استقطاب حاد.

أما باكستان، فتدخل المشهد من زاوية مختلفة، كونها دولة نووية يمنحها وزنًا خاصًا، كما أن علاقاتها المتشابكة مع الصين والخليج تجعلها معنية بمنع أي تصعيد قد يعيد تشكيل موازين القوى في آسيا ،استضافتها المحتملة لمحادثات تهدئة تعكس إدراكًا مبكرًا لخطورة انتقال الأزمة خارج حدود الشرق الأوسط.

تحركات دونالد ترامب نحو إعادة إنتاج نموذج “التحالفات الهجومية”:
في خلفية المشهد، تبرز تحركات يقودها Donald Trump، والتي تعكس تحولًا محتملًا في المقاربة الأمريكية تجاه الأزمة.

هذه التحركات لا تقتصر على الخطاب السياسي، بل تمتد إلى إعادة طرح فكرة “التحالفات متعددة الجنسيات” ولكن بصيغة أكثر هجومية، تتجاوز نموذج “الردع” إلى “فرض الحسم”.

المعلومات المتداولة تشير إلى أن هذا التوجه يقوم على ركيزتين أساسيتين:
الأولى، تشكيل تحالف إقليمي- دولي قادر على تنفيذ عمليات برية، وليس فقط الاعتماد على الضربات الجوية.

الثانية، إعادة توزيع أعباء المواجهة بحيث تتحمل القوى الإقليمية-خاصة الخليجية-دورًا أكبر في أي صراع محتمل مع إيران.

الاتفاق الدفاعي مع محمد بن سلمان نقطة تحول محتملة:
في هذا الإطار، تبرز احتمالات توقيع اتفاق دفاع مشترك موسع بين واشنطن والرياض بقيادة محمد بن سلمان كأحد أخطر التطورات المحتملة.
هذا الاتفاق-إذا تم- لن يكون مجرد ضمانة أمنية تقليدية، بل قد يشكل نواة لتحالف عسكري إقليمي موجه بشكل واضح ضد إيران.
وهو ما يعني عمليًا نقل الصراع من مستوى “التنافس الإقليمي” إلى مستوى “الاستقطاب العسكري المباشر”.
الأخطر من ذلك أن مثل هذا الاتفاق قد يُفسَّر في موسكو وبكين على أنه محاولة أمريكية لإعادة فرض هيمنة أحادية على المنطقة، وهو ما يفتح الباب أمام ردود فعل مضادة.

روسيا. من المراقبة إلى احتمالات الانخراط :
روسيا تتابع التطورات بحذر، لكنها ليست بعيدة عن المشهد، وارتباطها بإيران يتجاوز البعد التكتيكي، خاصة في ظل التعاون العسكري والتنسيق فى ملفات مثل سوريا وأوكرانيا.

إذا شعرت موسكو أن التوازن الاستراتيجي في المنطقة يتعرض لاختلال حاد- خاصة عبر تحالف أمريكي- خليجي ذي طابع هجومي- فإنها قد تتحرك على عدة مستويات، تبدأ بالدعم غير المباشر (أنظمة دفاع جوي، معلومات استخباراتية)، وقد تصل- في سيناريو أقل احتمالًا لكنه عالي التأثير- إلى انخراط أكثر وضوحًا.
وهنا تكمن خطورة اللحظة الراهنة، كون أي تصعيد غير محسوب قد يحول الصراع من إقليمي إلى دولي.

السيناريوهات.. بين الاحتواء والانفجار:
المشهد الحالي يتحرك بين ثلاثة مسارات رئيسية، لكنها ليست منفصلة، بل قد تتداخل وتتطور تدريجيًا:
السيناريو الأول يتمثل في احتواء مرحلي للتصعيد، حيث تنجح الجهود الدبلوماسية-خصوصًا التحرك المصري-التركي-الباكستاني- في فرض تهدئة مؤقتة، دون معالجة جذور الأزمة.

السيناريو الثاني هو التصعيد المضبوط، وهو الأكثر ترجيحًا في المدى القصير، حيث تستمر العمليات العسكرية ولكن ضمن سقف محسوب، مع حرص الأطراف على تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة.

أما السيناريو الثالث، وهو الأخطر، فيتمثل في انفجار إقليمي واسع، قد يبدأ بضربة كبيرة أو خطأ في الحسابات، ثم يتدحرج سريعًا ليشمل أطرافًا دولية، ويعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط.

خلاصة التقدير
المنطقة لا تقف فقط على حافة حرب، بل على حافة إعادة تعريف توازناتها الاستراتيجية بالكامل.
التصعيد العسكري يتقدم بسرعة، بينما تتحرك الدبلوماسية ببطء، والتحالفات الجديدة تتشكل في الخلفية دون إعلان كامل.
في مثل هذه اللحظات، لا تكون المشكلة في اندلاع الحرب فقط، بل في عدم القدرة على احتوائها بعد أن تبدأ.
وبينما تحاول قوى إقليمية عقلانية كبح المسار التصاعدي، تدفع حسابات القوة والتحالفات في الاتجاه المعاكس.
السؤال الحاسم الآن: من يملك مفاتيح إيقاف هذه الحرب إذا خرجت عن السيطرة؟

زر الذهاب إلى الأعلى