مريم محمود فهمي عبدالمجيد تكتب: الحرب بين إسرائيل وإيران: تداعياتها على مصر واستقرارها الاقتصادي بين التحديات والفرص

الحرب بين إسرائيل وإيران تمثل واحدة من أخطر مراحل التصعيد في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، بعد سنوات طويلة من التوتر غير المباشر والصراع عبر أطراف إقليمية.
فعلى مدار عقود، اتسمت العلاقة بين الطرفين بالعداء السياسي والعسكري، وتبادل التهديدات، ودعم كل طرف لقوى معارضة للآخر داخل المنطقة. إلا أن التطورات الأخيرة دفعت هذا الصراع من مرحلة “حرب الظل” إلى مواجهة أكثر وضوحًا من خلال ضربات عسكرية مباشرة وهجمات متبادلة على أهداف استراتيجية، ما أثار مخاوف من اتساع نطاق المواجهة وتحولها إلى حرب إقليمية شاملة.
بدأ التصعيد الفعلي مع تزايد العمليات العسكرية المتبادلة واستهداف مواقع حساسة، في ظل توتر متراكم مرتبط بالبرنامج النووي الإيراني والمخاوف الأمنية الإسرائيلية.
ومع تصاعد حدة الخطاب السياسي والعسكري، وتدخل أطراف إقليمية بشكل غير مباشر، دخلت المنطقة في حالة من القلق والترقب، خاصة مع تهديد مسارات الملاحة الحيوية وإمدادات الطاقة العالمية. هذا التصعيد لم يكن حدثًا معزولًا، بل جاء في سياق إقليمي مضطرب، مما جعل تأثيراته تمتد سريعًا إلى اقتصادات دول المنطقة، وفي مقدمتها مصر.
الاقتصاد المصري بطبيعته يتأثر بشدة بالتغيرات الإقليمية، نظرًا لموقع مصر الجغرافي الاستراتيجي واعتمادها على موارد خارجية مثل الطاقة والسياحة والاستثمار الأجنبي.
ومن أولى التداعيات المباشرة للحرب ارتفاع أسعار النفط عالميًا، إذ تمثل منطقة الشرق الأوسط مصدرًا رئيسيًا لإمدادات الطاقة. ومع أي تهديد للإمدادات أو لطرق النقل البحري، ترتفع الأسعار نتيجة المخاوف في الأسواق العالمية.
هذا الارتفاع ينعكس على مصر من خلال زيادة تكلفة استيراد الوقود، مما يضغط على الموازنة العامة ويرفع تكلفة الإنتاج والنقل، وهو ما يؤدي بدوره إلى زيادة أسعار السلع والخدمات داخل السوق المحلي. ومع استمرار هذه الضغوط، قد ترتفع معدلات التضخم، ما يؤثر على القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد الأعباء المعيشية.
كذلك تمثل قناة السويس عنصرًا حيويًا في الاقتصاد المصري، فهي من أهم مصادر العملة الأجنبية.
وفي حال تصاعدت الحرب وامتدت تأثيراتها إلى مناطق الملاحة في البحر الأحمر أو شرق المتوسط، فقد تتجه بعض شركات الشحن إلى تغيير مساراتها أو تقليل حركتها مؤقتًا بسبب المخاطر الأمنية وارتفاع تكاليف التأمين.
أي تراجع في حركة التجارة العالمية أو في مرور السفن عبر القناة قد يؤدي إلى انخفاض العائدات، وهو ما يضع ضغطًا إضافيًا على احتياطي النقد الأجنبي.
ولا يقتصر التأثير على الطاقة والتجارة فقط، بل يمتد إلى قطاع السياحة الذي يُعد أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد المصري. فالسياحة بطبيعتها شديدة الحساسية للأوضاع الأمنية في المنطقة. ومع انتشار أخبار الحرب في وسائل الإعلام العالمية، قد ينظر بعض السياح إلى المنطقة ككل باعتبارها غير مستقرة، حتى وإن كانت مصر بعيدة نسبيًا عن ساحة القتال المباشر. هذا التراجع المحتمل في أعداد السائحين يعني انخفاضًا في الإيرادات الدولارية وفرص العمل المرتبطة بالقطاع.
كما قد تؤثر الحرب على تدفقات الاستثمار الأجنبي، إذ يميل المستثمرون في أوقات التوتر إلى تبني سياسة الحذر والانتظار. حالة عدم اليقين تدفع بعض رؤوس الأموال إلى البحث عن ملاذات أكثر استقرارًا، وهو ما قد يؤدي إلى تباطؤ في الاستثمارات الجديدة أو تأجيل مشروعات قائمة. ومع تراجع بعض مصادر العملة الأجنبية، قد يتعرض سعر الصرف لضغوط إضافية نتيجة زيادة الطلب على الدولار لتغطية الواردات، مما يزيد من التحديات الاقتصادية على المدى القصير.
ورغم هذه التحديات، فإن الأزمات الكبرى قد تخلق فرصًا إذا تم التعامل معها بمرونة ورؤية استراتيجية
. فمصر تمتلك موقعًا جغرافيًا متميزًا يجعلها لاعبًا محوريًا في أي ترتيبات إقليمية تتعلق بأمن الملاحة والطاقة. وفي أوقات الأزمات، تزداد أهمية الدول القادرة على لعب دور الوسيط أو الطرف المتوازن سياسيًا، وهو ما قد يعزز مكانة مصر الإقليمية والدولية. هذا الدور قد ينعكس اقتصاديًا في صورة دعم دولي أكبر أو شراكات استراتيجية جديدة تسهم في تخفيف الضغوط الاقتصادية.
إضافة إلى ذلك، يمكن أن تستفيد مصر من بنيتها التحتية في قطاع الغاز الطبيعي، خاصة إذا أدت الحرب إلى اضطراب بعض الإمدادات في المنطقة. في ظل سعي العديد من الدول، خاصة الأوروبية، إلى تنويع مصادر الطاقة، قد تتزايد أهمية مصر كمركز إقليمي لتسييل وتصدير الغاز، مما يوفر فرصة لزيادة الإيرادات وتعزيز الاحتياطي النقدي.
كذلك قد تدفع تداعيات الحرب الحكومة إلى تسريع برامج الإصلاح الاقتصادي، وتعزيز الاعتماد على الإنتاج المحلي، وتقليل فاتورة الاستيراد، وهو ما قد يقوي الاقتصاد على المدى المتوسط والطويل. فالأزمات غالبًا ما تكون دافعًا لإعادة هيكلة السياسات الاقتصادية وتحقيق قدر أكبر من الانضباط المالي وتنويع مصادر الدخل القومي.
في النهاية، يتوقف حجم تأثير الحرب بين إسرائيل وإيران على الاقتصاد المصري على عدة عوامل، أبرزها مدة الصراع ومدى اتساعه جغرافيًا، بالإضافة إلى قدرة الدولة على إدارة تداعياته بكفاءة. فالحروب قصيرة الأمد قد تترك آثارًا مؤقتة يمكن احتواؤها، بينما الصراعات الممتدة قد تفرض ضغوطًا أعمق تتطلب إصلاحات هيكلية أوسع. وبين التحديات والفرص، يبقى العامل الحاسم هو قدرة مصر على الحفاظ على استقرارها الداخلي، واستثمار موقعها الاستراتيجي، وتحويل الظروف الإقليمية المعقدة إلى فرص تعزز من قوة اقتصادها واستدامته










