علي عبدالحميد عارف يكتب: من مضيق هرمز إلى جيوب المستهلكين: كيف تصنع السياسة أزمات الاقتصاد

لم يعد الاقتصاد في عالم اليوم كيانًا مستقلًا تحكمه الأرقام وحدها بل أصبح مرآة دقيقة تعكس اضطرابات السياسة وتحولاتها. فما يحدث في الممرات المائية الاستراتيجية، وعلى رأسها مضيق هرمز لا يظل حبيس الجغرافيا بل يمتد أثره ليصل إلى تفاصيل الحياة اليومية للمستهلكين في مختلف دول العالم من أسعار الوقود إلى تكلفة الغذاء والخدمات.
يمثل مضيق هرمز شريانًا حيويًا يمر عبره ما يقارب ثلث تجارة النفط المنقولة بحرًا ما يجعله أحد أهم نقاط الاختناق في الاقتصاد العالمي ومع كل تصعيد سياسي أو عسكري في المنطقة ترتفع درجة المخاطر فتتفاعل الأسواق بشكل فوري عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز حتى قبل حدوث أي نقص فعلي في الإمدادات، هذه الظاهرة تكشف أن الأسواق لم تعد تتعامل فقط مع الواقع بل مع “توقعات المخاطر”، وهو ما يضاعف من حدة الأزمات.
ولأن الطاقة تمثل عصب الاقتصاد الحديث فإن أي ارتفاع في أسعارها يخلق سلسلة من التأثيرات المتلاحقة فتكلفة النقل ترتفع وأسعار السلع الأساسية تتأثر وتجد الحكومات نفسها أمام معادلة صعبة بين دعم المواطنين أو ترك السوق يحدد الأسعار وهنا يظهر بوضوح أن القرار السياسي سواء كان حربًا أو تهديدًا أو حتى بيانًا دبلوماسيًا يمكن أن يتحول إلى عبء اقتصادي فبينما يتجادل اصحاب القرار في القصور والبرلمانات، وتتبادل الحكومات التهديدات عبر الأثير يقف المستهلك العادي في طابور محطة الوقود، أو يُحدّق في فاتورة التسوق الشهرية، ليكتشف: أن الحروب لا تنتهي عند حدود ميادينها، بل تكمل طريقها في صمت
في هذا السياق لا يمكن فصل ما يحدث في الخليج عن التنافس الدولي الأوسع بين القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين، فالأولى تسعى إلى تأمين طرق الطاقة وحماية نفوذها التقليدي بينما تعمل الثانية على تنويع مصادرها وتأمين احتياجاتها عبر مبادرات استراتيجية طويلة المدى هذا التنافس يضيف بعدًا آخر للأزمة حيث لا تقتصر تداعياتها على الإقليم بل تمتد لتشمل النظام الاقتصادي العالمي بأسره.
أدت المواجهة العسكرية المباشرة في مارس 2026 إلى قفزة تاريخية في أسعار برميل خام برنت الذي تجاوز حاجز 112 دولاراً وسط تحذيرات دولية من وصوله لـ 150 دولاراً في حال استمرار الانسداد الملاحي.
وبدت تداعيات ذلك واضحة في التحليلات المالية الكبرى في سيناريو أكثر تشدداً يفترض ارتفاع سعر البرميل إلى 110 دولارات قد يرتفع التضخم في الولايات المتحدة إلى 3.3% فيما يتراجع النمو إلى 2.1%، ويتوقع الاقتصاديون احتمالَ دخول الاقتصاد الأمريكي في ركود إلى 25%.
أما على صعيد الدول النامية فالفاتورة أثقل بكثير في مصر مثلاً، أثار قرار الحكومة برفع أسعار الوقود حالةً من الجدل في البرلمان وسط تحذيرات من تداعيات القرار على المواطنين في ظل موجة تضخم وارتفاع تكاليف المعيشة إذ تنعكس زيادة أسعار الوقود سريعاً على تكاليف النقل والخدمات وهو ما يؤدي بدوره إلى ارتفاع أسعار السلع المختلفة فعندما تجلس الحكومات والوزراء ليرسموا خرائط المواجهة فإن أثر قراراتهم يستقر أخيراً في محفظة العامل، وصحن المزارع، وفاتورة الأسرة.
ومن زاوية أخرى، تعكس هذه الأزمات تحوّلًا واضحًا نحو ما يمكن تسميته بـ”عسكرة الاقتصاد” فلم تعد الأدوات الاقتصادية محايدة بل أصبحت جزءًا من أدوات الصراع العقوبات، والحصار، والتحكم في الموارد، كلها أدوات تُستخدم لتحقيق أهداف سياسية وفي المقابل تتحول الموارد الطبيعية وفي مقدمتها النفط إلى أوراق ضغط تُستخدم في التفاوض أو التصعيد
لكن التأثير الأعمق يظهر على مستوى المواطن العادي فارتفاع أسعار الوقود يؤدي إلى زيادة أسعار النقل ومن ثم ارتفاع أسعار الغذاء ما يخلق موجة تضخم تضرب الطبقات المتوسطة والفقيرة بشكل خاص ومع استمرار هذه الضغوط تتآكل القدرة الشرائية وتتراجع مستويات المعيشة ما قد يؤدي إلى توترات اجتماعية داخل العديد من الدول.
وإذا استمرت التوترات في مناطق الطاقة الحيوية فإن العالم قد يتجه نحو مرحلة جديدة من “اللايقين الاقتصادي المزمن” في هذه المرحلة لن تكون الأزمات استثناءً بل جزءًا من الواقع اليومي للأسواق ومن المتوقع أن نشهد عدة استنتاجات للمستقبل
السيناريو الأول التهدئة القريبة: إذا تحوّلت “الهدنة الخماسية” إلى اتفاق دائم لفتح مضيق هرمز قد نشهد ارتداداً عنيفاً في الأسواق وتراجعاً في النفط نحو 80 دولاراً للبرميل وهو أفضل السيناريوهات اقتصادياً لكنه يبقى رهيناً بإرادة سياسية تبدو بعيدة.
السيناريو الثاني الأزمة المطوّلة: يرى كبار التنفيذيين أن إدارة ترامب وحلفاءها المحتملين لا يملكون سوى مهلة قصيرة لإعادة فتح مضيق هرمز وإلا ستضطر الشركات إلى التعامل مع فرضية استمرار الصراع حتى منتصف العام على الأقل بكل ما يحمله ذلك من تداعيات سلبية على الاقتصاد العالمي في هذا السيناريو الركود التضخمي يصبح تهديداً حقيقياً لا مجرد فرضية أكاديمية.
السيناريو الثالث إعادة رسم خرائط الطاقة: باتت دول الخليج تبحث بجدية عن بدائل لتصدير النفط والغاز بعيداً عن مضيق هرمز إذ تمتلك المملكة العربية السعودية شبكة من خطوط الأنابيب البديلة التي تربط حقولها بالبحر الأحمر عبر ينبع الأزمة الراهنة قد تُعجّل بتحوّل جذري في بنية الطاقة العالمية يُفضي إلى عالم أقل اعتماداً على ممرات بحرية بعينها.
فـالنهايه تكشف الأزمات الراهنة أن الخط الفاصل بين السياسة والاقتصاد أصبح شبه منعدم فما يحدث في مضيق هرمز ليس مجرد أزمة إقليمية بل اختبار حقيقي لقدرة النظام العالمي على التكيف مع عالم أكثر اضطرابًا. وبينما تسعى الدول الكبرى إلى إدارة الصراع بما يخدم مصالحها، يبقى المواطن العادي هو الحلقة الأضعف يتحمل تبعات قرارات لم يكن طرفًا في صنعها.
وفي ظل هذا المشهد المعقد يبدو أن السؤال لم يعد: كيف تؤثر السياسة على الاقتصاد؟ بل: هل يمكن للاقتصاد أن ينجو من تقلبات السياسة في عالم لم يعد يعرف الاستقرار









