إميل أمين يكتب : جي دي فانس ورئاسة أميركا 2028

هل جاءت جائزة رجل العام من معهد كليرمونت لجي دي فانس هذا العالم عشوائية أم أنها وردت ضمن سياق يعرفه الراسخون في العلم الأميركي، موصول بكيفية إتمام عملية صناعة النجم؟
هناك يقين لدى كثيرين أن العمل جار على قدم وساق لتحضير جي دي فانس للمعركة الرئاسية الإنتخابية في 2028، وهو ما ظهر من خلال أستطلاع راي كلية إيمرسون في مدينة بوسطن بولاية ماساشوستس، أواخر يونيو حزيران الماضي ،حيث حصل دي فانس على 46% من الاصوات، بينما حل منافسه وزير الخارجية ماركو روبيو في المرتبة الثانية لكن بفارق كبير ، إذ لم يحصل إلا على 12% من أصوات الإستطلاع، وحاكم فلوريدا رن دي سانتس على 9% ، ثم وزير الصحة والخدمات الإنسانية روبرت كيندي جونيور وهو مستقل على 5% ، ثم وزير الأمن الداخلي كريستي نويم ، وفي أخر النتائج سفيرة الأمم اللمتحدة السابقة نيكي هيلي على 2%.
هنا يعن لنا أن نتساءل مخلصين التساؤل ومن غير فكر المؤامرة هل كان خطاب معهد كليرمونت الذي القاه دي فانس لحظة تكريمه، خطابا ماورائيا، بقصد إظهار الرؤية الحقيقية لأميركا كما يأمل دي فانس أن تكون ؟
يرى دي فانس أن المواطنة الأميركية تعني أول الأمر وأخره ” السيادة “…لكن سيادة من على من، وهل الأمر يعني الداخل الأميركي فقط، أن نطاق “مونرو ” في النصف الغربي من الكرة الأرضية، أم أن تلك السيادة تعني ما هو وراء المحيطين الكبيرين اللذان يحدان الولايات المتحدة بأكملها من الشرق والغرب ؟
المقصود بالسيادة بحسب الرجل الثاني في إدارة ترمب ، هو أن تعني المواطنة الأميركية الإنتماء إلى أمة تحمي سيادة شعبها، لا سيما في ظل عالم حديث عازم على تذويب الحدود وتجاوز الإختلافات في الهوية الوطنية .
يعني هذا بالنسبة لدي فانس، وجود حكومة تدافع بقوة عن أساسيات السيادة، وتحمي حدودها من الغزو الأجنبي ، وتحمي مواطنيها ومؤسساتهم من المخططات الضريبية الأجنبية الجائرة، وتقيم جدرانا أمنية وحواجز مماثلة لحماية صناعات شعبها، وتتجنب توريطهم با داع في حروب بعيدة وممتدة..
على أن أكثر ما أثار الجدل وربما المخاوف في كلمة دي فانس تأكيده على أن أميركا ” ليست مجرد فكرة، بل هي مكان خاص بشعب خاص ومعتقدات واسلوب حياة خاص .
حاول دي فانس أن يجد تبريرا عقلانيا للفكرة بقوله ” أدرك أسلافنا أن بناء أمة ناجحة من أرض جديدة يعني خلق اشياء ملموسة جديدة، منازل جديدة، ومدنا جديدة، وبنى تحتية جديدة لرتويض قارة جامحة.هذا هو تراثنا كأميركيين . هذا الموقف مكننا من بناء أعظم مدن العالم، وأطول ناطحات السحاب، واروع السدود والقنوات التي شهدها العالم على الإطلاق.
هل حملت الكلمة عينها لمسات أو لمحات من أحاديث تنبئ بعنصرية عرقية قائمة وربما قادمة بأسوا صورة ؟
يقر دي فانس بأن المواطنة تعني الإعتراف بالعلاقة الفريدة ، وكذلك الإلتزامات المشتركة بين القيادة والشعب الأميركي، لكن كلمة الشعب هنا ، تعني المواطنين الأميركيين، أحفاد الأسلاف الأولين ..من هنا يتبدى الشك في رؤية دي فانس للأخرين، حتى وأن لم يرق إلى مقولة الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر ” الأخرون هم الجحيم “.
يقول دي فانس ” لا يمكنك أستبدال عشرة ملايين شخص من أي مكان أخر في العالم وتتوقع بقاء أميركا على حالها .
وبالمثل ، لا يمكنك تصدير الدستور، كلماته المكتوبة على ورقة، إلى أي بلد عشوائي ، وتتوقع أن يسود نفس النوع من الحكومة . هذا ليس أمرا يدعو للرثاء أو الحزن، بل هو أمر يدعو للفخر . إنها لحظة تاريخية مميزة، مع مكان مميز وشعب مميز .
هل هذه أميركا الإنعزالية التي يدعو إليها دي فانس تحت عنوان أرض الدم ، ذات الإرث الخاص، المنسحبة من مشهد القيادة العالمية ، في خطوة تعزز فكرة ” أميركا أولا “، وربما تاليا ” أميركا فوق الجميع ” كرجع صدى لا يتلكا ولا يتأخر لتجربة ألمانيا النازية في ثلاثينات القرن العشرين ؟
السؤال يحتاج إلى محاولة معمقة لفهم ومن هضم خطاب معهد كليرمونت لا سيما أن النائب الشاب يرى أن أميركا اليوم جميلة لكن متناقضة وغير مكتملة، ويبدو أنه تأثر بصورة أو بأخرى برؤية ثعلب السياسة الأميركية هنري كيسنجر حول فكرة “أميركا دولة مترددة “.
على أن علامة الإستفهام الحقيق بنا أن نشاغبها :” هل أنساق الأميركيون زرافات ووحدانا وراء فكر دي فانس القومي كما تجلى الشهر الماضي، أم أن هناك أصوات مغايرة أرتفعت بالنقد الشديد واللاذع لهذا المنظور الفكري ذي الصفات القومية التي تخفيف الكثيرين من أن يكرر التاريخ الأوروبي نفسه في أميركا ؟
للحديث تتمة بإذن الله










