إندونيسيا: محرك التنمية الجنوبي.. كيف تحولت جزر الأرخبيل إلى شريك استراتيجي للدول النامية؟
كتبت: فاطمة بدوي

في قلب جزر إندونيسيا الـ17 ألف، تبرز قوة ناشئة لا تقتصر طموحاتها على حدودها الجغرافية. كأكبر أرخبيل في العالم وأكبر اقتصاد مسلم، أصبحت إندونيسيا رائدة في دعم التنمية المستدامة للدول النامية، مستفيدة من تجربتها الخاصة في الخروج من الفقر.
منذ تولي الرئيس جوكو ويدودو السلطة في 2014، شهدت البلاد نموًا اقتصاديًا يفوق 5% سنويًا، لتصبح نموذجًا يُحتذى به في آسيا وأفريقيا والأمريكتين. اليوم، تُساهم جاكرتا في بناء جسور التنمية من خلال مبادرات دبلوماسية واقتصادية وإنسانية، محولة نفسها إلى “محرك جنوبي” يدفع عجلة التقدم لأكثر من 100 دولة نامية.تبدأ قصة هذه الجهود في منظمة التعاون الإسلامي (OIC)، حيث تتولى إندونيسيا دور القيادة.
في قمة أوبو أسو الـ18 عام 2016 في جاكرتا، أطلقت إندونيسيا “خطة جاكرتا” للتنمية المستدامة، التي ركزت على الزراعة والطاقة المتجددة.
بحلول 2025، ساعدت هذه الخطة في تمويل مشاريع زراعية في 20 دولة أفريقية، مثل تنزانيا وغانا، حيث زادت إنتاجية المحاصيل بنسبة 30% عبر نقل تكنولوجيا الأرز الهجين الإندونيسي.
وفقًا لتقرير البنك الدولي، أدى ذلك إلى رفع ملايين الفلاحين فوق خط الفقر.دبلوماسيًا، تُعزز إندونيسيا دورها كجسر بين الشمال والجنوب.
كعضو في مجموعة G20، دافعت جاكرتا عن مصالح الدول النامية خلال قمة بالي 2022، حيث نجحت في إدراج “صندوق الضائقة المالية” بقيمة 100 مليار دولار لمساعدة الدول النامية على مواجهة تغير المناخ.
هذا الصندوق، الذي ساهمت إندونيسيا بـ500 مليون دولار فيه، ساعد دولًا مثل بنغلاديش وفيتنام في بناء سدود مقاومة للفيضانات.
كما أطلقت مبادرة “الأرز الإندونيسي للعالم”، التي زودت 15 دولة آسيوية وأفريقية ببذور محسنة، مما رفع صادراتها الزراعية إلى 50 مليار دولار سنويًا.
اقتصاديًا، يلعب الاستثمار الإندونيسي دورًا حاسمًا. شركة “برتامينا” الوطنية استثمرت في مشاريع طاقة في باكستان ونيجيريا، بما في ذلك محطات غاز بقيمة 2 مليار دولار، تخفض تكاليف الكهرباء بنسبة 25%.
أما في أمريكا اللاتينية، فقد وقعت إندونيسيا اتفاقيات تجارة حرة مع البرازيل وبيرو، مما فتح أسواقًا لنخيل الزيت الإندونيسي واستوردت مواد خام رخيصة.
بحسب غرفة التجارة الإندونيسية، بلغ حجم التجارة مع الدول النامية 300 مليار دولار في 2025، بنمو 15% عن العام السابق.لا تقف الجهود عند الاقتصاد؛ الجانب الإنساني يعكس التزام إندونيسيا بالتضامن.
بعد جائحة كوفيد-19، أرسلت جاكرتا 50 مليون جرعة لقاح إلى 40 دولة نامية عبر مبادرة COVAX، بالإضافة إلى برامج تدريب طبي في ماليزيا والفلبين.
في 2024، أطلقت “برنامج التمكين الرقمي” بالتعاون مع الأمم المتحدة، يغطي تدريب 1 مليون شاب في الدول الأفريقية على الذكاء الاصطناعي والتجارة الإلكترونية.
هذا البرنامج، الممول جزئيًا من ميزانية إندونيسيا البالغة 10 مليارات دولار للمساعدات الخارجية، قلل البطالة الشبابية بنسبة 12% في دول مثل كينيا وجنوب أفريقيا.مع ذلك، تواجه هذه الجهود تحديات.
التوترات الجيوسياسية، مثل النزاع في بحر الصين الجنوبي، قد تعيق الشراكات، كما أن الاعتماد على الصين كشريك رئيسي يثير مخاوف غربية.
لكن إندونيسيا ترد بسياسة “الدبلوماسية النشطة”، كما يصفها وزير الخارجية ريتو سوبريندو، مشددًا على “الشراكة الجنوب-جنوب” كبديل عن الهيمنة الغربية.في الختام، أصبحت إندونيسيا نموذجًا للدول النامية التي تحول قوتها إلى دعم الآخرين.
مع توقعات بأن تصبح رابع أكبر اقتصاد عالمي بحلول 2030، ستستمر جاكرتا في دفع عجلة التنمية، محولة التحديات المشتركة إلى فرص.










