ماليزيا: قائدة آسيوية في معركة المناخ.. من غابات البورنيو إلى قمم الأمم المتحدة
كتبت: فاطمة بدوي

في قلب جنوب شرق آسيا، تبرز ماليزيا كنموذج للتوفيق بين النمو الاقتصادي والحفاظ على البيئة، مساهمة
بشكل فعال في الجهود العالمية لمكافحة التغير المناخي. معتمدة على غاباتها الاستوائية الغنية التي تغطي نحو 58% من أراضيها، ومواردها الطبيعية الوفيرة، أطلقت كوالالمبور استراتيجيات طموحة جعلتها شريكًا رئيسيًا في اتفاقية باريس للمناخ وأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة.
بدأت ماليزيا رحلتها المناخية بشكل مكثف منذ عام 2015، عندما وقعت على اتفاقية باريس، ملتزمة بتقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 45% بحلول 2030 مقارنة بمستويات 2005.
وفقًا لتقرير صادر عن وزارة الطاقة والموارد الطبيعية الماليزية، حققت البلاد تقليلاً بنسبة 4% بالفعل في الانبعاثات حتى 2025، مدعومًا بتحولها نحو الطاقة المتجددة.
اليوم، يشكل الطاقة الشمسية والرياح نحو 20% من مزيج الطاقة الوطني، مع خطط للوصول إلى 31% بحلول 2025 وفقًا لـ”خطة ماليزيا الخضراء” (Green Malaysia Plan).
أحد أبرز الإنجازات هو حماية غابات بورنيو، التي تعد من أكبر خزانات الكربون في العالم. أطلقت الحكومة حملة “غابات قلب ماليزيا” (Heart of Borneo Initiative) بالشراكة مع إندونيسيا وبروناي، مما أدى إلى حماية أكثر من 2 مليون هكتار من الغابات منذ 2007.
هذه الجهود قللت من إزالة الغابات بنسبة 70% خلال العقد الماضي، وفقًا لبيانات منظمة الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)
. كما ساهمت ماليزيا في برنامج REDD+ الدولي، الذي يعوض الدول النامية ماليًا مقابل الحفاظ على الغابات، محققةً أرباحًا تصل إلى 100 مليون دولار أمريكي سنويًا.على الصعيد الدولي، لعبت ماليزيا دورًا محوريًا في قمة COP26 في غلاسكو عام 2021، حيث تعهدت بتحقيق “الصفر الصافي” (Net Zero) بحلول 2050. وفي COP28 بدبي، أعلنت عن استثمارات بقيمة 5 مليارات دولار في تقنيات التقاط الكربون، بالتعاون مع شركات غربية مثل Shell وTotalEnergies. هذه الشراكات جعلت ماليزيا مركزًا إقليميًا لصناعة الهيدروجين الأخضر، مع مشاريع تجريبية في صباح تنتج 10,000 طن سنويًا.
ومع ذلك، تواجه ماليزيا تحديات كبيرة. كونها ثاني أكبر منتج لزيت النخيل عالميًا، يُعزى إليها نحو 4% من انبعاثات الغازات الدفيئة العالمية بسبب إزالة الغابات لزراعة النخيل.
ردًا على ذلك، أصدرت الحكومة “اللائحة الإلزامية للزيت المستدام” (MSPO) في 2015، التي أصبحت إلزامية منذ 2020، مما ضمن أن 90% من إنتاجها مستدام.
كما فرضت حظرًا على تصدير النخيل غير المستدام إلى أوروبا، تلبيةً لقانون الاتحاد الأوروبي ضد إزالة الغابات.في مجال التكيف مع المناخ، استثمرت ماليزيا 2 مليار دولار في مشاريع ساحلية لمواجهة ارتفاع مستوى سطح البحر، الذي يهدد جزرها مثل لنكاوي وسابا.
برنامج “التكيف الوطني” يشمل بناء حواجز بحرية وزراعة أشجار المانغروف على 50,000 هكتار، مما يحمي 2 مليون مواطن. كذلك، أطلقت حملات توعية وطنية، مثل “MyGreen”، شارك فيها 10 ملايين مواطن، لتشجيع إعادة التدوير وتقليل النفايات البلاستيكية بنسبة 30%.
اقتصاديًا، أصبحت الاقتصاد الأخضر مصدر نمو، حيث يساهم بـ7% من الناتج المحلي الإجمالي، مع توقعات بوصوله إلى 15% بحلول 2030. شركات مثل Petronas تحولت إلى “طاقة نظيفة”، مستثمرة ملياري دولار في الطاقة الشمسية.
دوليًا، تتعاون ماليزيا مع ASEAN لإنشاء صندوق مناخي إقليمي بقيمة 10 مليارات دولار، وتشارك في مبادرة “الغابات الاستوائية الماليزية” مع البرازيل وإندونيسيا.رغم التقدم، يحذر خبراء مثل الدكتورة فاطمة إسماعيل من جامعة مالايا من مخاطر الجفاف والفيضانات المتزايدة، التي تسببت في خسائر تصل إلى 1.5 مليار دولار في 2024. “ماليزيا نموذج، لكنها تحتاج تمويلًا دوليًا أكبر”، تقول. الحكومة ترد بـ”رؤية 2050″، التي تهدف إلى جعل البلاد “أمة خضراء كاملة”.
بهذه الجهود، تثبت ماليزيا أن الدول النامية يمكنها قيادة التغيير العالمي، محولة تحدياتها إلى فرص. العالم يراقب كوالالمبور كيف تحول غاباتها إلى درع ضد الاحتباس الحراري.










