د.أمانى فاروق تكتب: ما تراه ليس كما يبدو… دراما تسبق عصرها

في يوم عطلتي الأسبوعية، ذلك اليوم النادر الذي أسمح فيه لنفسي بالابتعاد قليلًا عن زحام العمل ومسؤولياته، وجدتني جالسة أمام شاشة التلفاز أبحث عن عمل يرافقني في لحظات الراحة. فتحت منصة “شاهد”، وكان أمامي المسلسل الذي لم يتوقف أصدقائي عن الحديث عنه: ما تراه ليس كما يبدو. الفضول شدّني لأتعرف على السر وراء هذا النجاح، ولم أكن أعلم أنني على موعد مع تجربة درامية مختلفة تأسرني من أول مشهد.
كنت أنوي مشاهدة حلقة واحدة، لكنني وجدت نفسي مشدودة إلى القصة الأولى، قصة “زياد” و”مريم”، حتى أكملت الخماسية كاملة في جلسة واحدة. وهنا أدركت أن العمل لم يأتِ من فراغ؛ فكل خمس حلقات تحمل حكاية مستقلة بذاتها، لكن يجمعها خط درامي وفكري واحد، يصنع حالة من التشويق المستمر، ويمنح المشاهد متعة متجددة.
المسلسل جمع بين كل عناصر النجاح: فكرة مبتكرة، إنتاج متقن، فريق تمثيل محترف قادر على إيصال الإحساس بصدق، وإدارة واعية تعرف كيف تمسك بخيوط العمل. وهنا يبرز اسم المنتج كريم أبو ذكري، الذي أثبت أنه ليس مجرد منتج تقليدي، بل عقلية مختلفة تبحث دائمًا عن الاختلاف. كريم أبو ذكري هو بالفعل منتج سابق عصره، يعرف ماذا يقدّم ومتى وكيف، ويغامر بالاختيارات التي قد يبتعد عنها الآخرون، لكنه يثق أن الجمهور يملك ذائقة تستطيع استقبال الجديد.
ولا يمكن أن نذكر كريم أبو ذكري دون أن نربط اسمه بجذوره العائلية الراسخة؛ فهو ابن المنتج الكبير، رئيس اتحاد المنتجين العرب، الأستاذ الدكتور إبراهيم أبو ذكري، الذي يُعد بحق الأب الروحي للمهنة، وصاحب مسيرة طويلة تركت بصمة في عالم الإنتاج والدراما العربية. وكأن الشغف بالفن هنا ليس خيارًا، بل إرثًا يتوارثه الأبناء كما يتوارثون القيم والمبادئ.
ما تراه ليس كما يبدو ليس مجرد اسم لمسلسل، بل هو فكرة يمكن أن تُسجل كبراءة اختراع. فكرة شدتني لأنها تعكس واقعنا المعاصر. ففي زمن الذكاء الاصطناعي، حيث يمكن تزييف الصور والأصوات وحتى الوجوه، لم يعد ما نراه حقيقة مطلقة. كل شيء أصبح عرضة للتشويه والتغيير، وكل ما نراه قد لا يكون كما يبدو. المسلسل هنا يضعنا أمام مرآة هذا الواقع، ويذكّرنا أن الحقيقة غالبًا أعمق من الصورة الأولى.
هذه الدراما لا تسلي المشاهد فقط، بل توقظه، تثير تساؤلاته، وتدعوه للتأمل. وهذا ما يجعل العمل مختلفًا، ويجعل بصمة كريم أبو ذكري مميزة: أنه لا يقدّم مجرد حكاية، بل يقدّم تجربة تحمل فكرًا ورسالة.
في النهاية، أدركت أن يوم عطلتي لم يكن مجرد استراحة عابرة، بل رحلة داخل عالم من الدراما الصادقة، رحلة جعلتني أؤمن أن الفن ما زال قادرًا على أن يُدهشنا ويثير وعينا. فـ ما تراه ليس كما يبدو ليس مجرد مسلسل عابر على منصة، بل خطوة جديدة في مسيرة الدراما العربية، وتجربة تثبت أن ما نراه على الشاشة… حقًا، ليس كما يبدو.
—-
مدير مركز التدريب والتطوير بمدينة الانتاج الإعلامى