مقالات الرأى

راندا الهادي تكتب: أنت والقلم الرصاص

هل فكرت مرة بوجود علاقة بينك وبين قلمك الرصاص ، أطلق لخيالك العنان أكثر وأسأل نفسك: كم مرة جلست تتحدث مع شيء ما ؟! قد يكون قلم أو صورة على الحائط أو سيارتك ، وتنتظر منها أن ترد عليك ؟!، بل نحن بلا إدراك قد نسُب ونشتُم منضدة أو عامود لأننا ارتطمنا به.

هنا أتذكر جدتي رحمة الله عليها ، ووالدتي من بعدها – دامت موفورة الصحة والعافية- وهي تطلب مني وأخوتي عندما كنا نقع على الأرض ونحن صغار أن نضرب البلاطة التي وقعنا عليها ، لأنها بلاطة وحشة هي التي أوقعتنا ، ورغم سذاجة الطلب كان له مفعول السحر في توقفنا عن البكاء وتفريغ شحنة الغضب من تعثرنا في سيل الضربات التي كنا نكيلها للبلاطة المسكينة .إذن هل أنا مجنون ؟ سؤال دوما يتردد في أذهاننا إذا ما تحدثنا إلى الجماد المحيط بنا ، رغم أن علم النفس الإجتماعي يؤكد عكس ذلك ، حيث يرى علماء النفس أن الإنسان الذي يتحدث ويبني علاقة مع المحيط الذي يتواجد فيه إنسان قمة في الطبيعية ، لأن هناك نظرية في علم النفس عن التوازن بين الكينونة والاقتناء ترى أن العلاقة بين الإنسان والمادة علاقة تبادلية؛ فالإنسان يصنع الأشياء ويختارها، لكن هذه الأشياء تعيد تشكيله وتوجيه انتباهه وسلوكياته. والوعي بهذه الديناميكية يساعد الفرد على اختيار ما يحيط به بذكاء، ليكون المحيط المادي داعماً للنمو الشخصي وليس عبئاً نفسياً أو معرقلاً للتطور.

ببساطة أيها القاريء أنت تؤثر وتتأثر بكل ما يحيط بك ليس بشكل عابر فقط ، وإنما بدرجات عميقة تنحت في شخصيتك تاركة أثرًا لا يُمحى ، ألم تشعر يوما بالضيق والتوتر بسبب عدم ملائمة مقاس الملابس التي ترتديها لك ؟ ، ألم يمنحك لونًا معينًا شعورًا بالثقة والتفاؤل ؟ ألم تدخل يوما مكانًا وانقبضت روحك – كما نقول- بسبب طراز قطع الأثاث به وضيق نوافذه ورائحة هوائه ؟ بالطبع حدث معنا جميعًا ، هذا هو التأثير المؤقت الذي يزول بزوال المؤثر .

أما التأثير الدائم للماديات المحيطة بنا، يتجلى في نشأتنا وأيام الطفولة المبكرة ، حيث تجد الشخص الذي تربّى في الريف حيث المساحات الواسعة والخير الكثير والألفة والتجمعات ، يمتلك بنسبة كبيرة شخصية كريمة ودودة متواضعة ، وهذا ليس اعتباطًا ولا نتاج التربية التي تلقاها من والديه فقط ، بل هنا تأثير عميق للبيئة التي نشأ فيها ، كمساحة بيته و سعة شرفته ، وإطلالته المريحة ، شوارع قريته ، وحتى الأطعمة التي يتناولها في تلك البيئة .

والمقابلة هنا واضحة إذا ما ذكرنا من نشأ في مدينة مكتظة ومزدحمة ، حيث البيوت تحسب بالأمتار ، والأثاث مكدس والنوافذ لاتفتح ، تجنبًا للتراب والعوادم .

فلا تتعجب مرة ثانية وتصف نفسك بالجنون إذا أدرت حوارًا مع كرسي أو قلم أو حتى صورتك في المرآة ، ولكن انتبه إذا أجابت عليك ، هنا لابد من زيارة عاجلة لطبيب نفسي .

زر الذهاب إلى الأعلى