مقالات الرأى

إيمان سعيد تكتب: أقسى جريمة بعد الانفصال .. سرقة أمان الطفل

عارفين يعني إيه طفل يعاني ويتقسم نصين؟ يعني طفل لم يختر الانفصال، ولم يكن طرفًا في الخلاف، لكنه يجد نفسه فجأة في قلب حرب أكبر من عمره. أب وأم كل واحد فيهم موجوع وغاضب، وكل طرف يريد أن يثبت أنه المظلوم، فيتحول الطفل من ابن إلى رسول، ومن مصدر حب إلى ورقة ضغط، ومن طفل يحتاج الأمان إلى شخص مطلوب منه أن يختار بين أبيه وأمه.

الأب يحكي له عن أمه، والأم تحكي له عن أبيه، وكل واحد يحاول أن يكسبه في صفه، والطفل لا يفهم لماذا أصبح حب أبيه خيانة لأمه، ولماذا حب أمه أصبح جريمة في نظر أبيه. يسمع كلامًا أكبر من سنه، ويحمل أسرارًا ومشاكل لم يكن يجب أن يعرفها، ويُطلب منه أن يسكت، وأن ينقل الكلام، وأن يتحمل وجع الكبار، بينما لا أحد يسأل: من يحمي قلب هذا الطفل؟

المشكلة ليست دائمًا في الطلاق، فهناك بيوت يصبح استمرارها أكثر قسوة من انفصالها، لكن الكارثة تبدأ عندما يتحول الانفصال إلى انتقام، وعندما يستخدم الأب ابنه ليعاقب الأم، أو تستخدم الأم أبناءها لتوجع الأب. هنا لا ينتهي الزواج فقط، بل يبدأ أحيانًا انهيار إحساس الطفل بالأمان.

طفل يرى أقرب شخصين إليه يتشاجران، ويتحدث كل منهما عن الآخر بالسوء، ويُحرم أحيانًا من حضن أو زيارة أو مكالمة فقط لأن الطرف الآخر غاضب. ومع الوقت يبدأ الطفل في الخوف من الحب نفسه؛ يخاف أن يتعلق بأحد فيفقده، أو أن يحب الاثنين فيغضب أحدهما، فيتعلم مبكرًا أن الحب له ثمن وأن الأمان مؤقت.

والأب والأم قد ينسون بعد سنوات تفاصيل كثيرة من الخلاف، وقد يبدأ كل واحد حياة جديدة، لكن الطفل لا يستطيع أن يمسح من ذاكرته ما سمعه وما عاشه. قد يكبر وهو يحمل غضبًا لا يعرف مصدره، أو خوفًا من الهجر، أو صعوبة في الثقة، أو احتياجًا شديدًا لمن يطمئنه، وقد يدخل علاقاته المستقبلية وهو يدفع ثمن معركة لم يخترها.

ثم نستغرب ونقول: «الولد اتغير… البنت بقت عصبية… مش عارفين نربيهم».

ولا نسأل: ماذا فعلنا بهم قبل أن نطالبهم بأن يكونوا بخير؟

الحماية ليست أن تزرع الكراهية في قلب ابنك تجاه والده، وليست أن تمنعه من أمه حتى تنتقم منها، ولا أن تجعل الطفل يحمل أسرارك ومشاكلك الزوجية. الطفل يحتاج أبًا وأمًا يشعر معهما بالأمان، حتى لو لم يعودا قادرين على العيش في بيت واحد.

حتى لو كان أحد الطرفين مخطئًا، وحتى لو كانت أسباب الانفصال مؤلمة وقاسية، يظل الطفل بريئًا من كل ذلك. لا تجعلوه يكره نصفه الآخر كي تثبتوا أنكم على حق، ولا تجعلوه يختار بين قلبين هو محتاج إليهما معًا.

أنتم قد تكونون انتهيتم كزوجين، لكنكم لم تنتهوا كأب وأم. والطفل ليس ساحة للانتقام، ولا ورقة ضغط، ولا رسولًا بين طرفين، ولا مسؤولًا عن إصلاح ما أفسده الكبار.

لأن أقسى ما في الانفصال ليس أن يفترق الأب عن الأم… بل أن تجعلوا الطفل يشعر أنه فقد الاثنين وهما ما زالا على قيد الحياة.

والأقسى من ذلك أن تكبروا وتنسوا الحرب… بينما يقضي هو عمره كله يحاول أن يتعلم كيف يشعر بالأمان من جديد..

زر الذهاب إلى الأعلى