جمال رشدي يكتب: رسالة إلى وزير التعليم

من لا يقرأ الماضي يفقد بوصلة الحاضر والمستقبل؛ إذ لا يمكن وضع علاج حقيقي لأزمات الوطن دون الرجوع إلى الخلف وتشخيص أسباب بداية التراجع التاريخي للتعليم في مصر، فإصلاح التعليم ليس مجرد قرارات إدارية، بل هو المدخل الأساسي لحل كافة مشاكل مصر الاقتصادية والسلوكية والمجتمعية.
لقد بدأ الخلل الهيكلي في يناير 1990، مع تعيين الدكتور حسين كامل بهاء الدين، أستاذ طب الأطفال بجامعة القاهرة، وزيراً للتعليم. ورغم اجتهاداته ورؤيته الصحية للطفل، إلا أن قراره الصارم بمنع استخدام أو حمل المعلم للعصا أدى إلى تفكيك منظومة الردع والمهابة داخل الفصل. لم تكن العصا مجرد أداة، بل كانت رمزاً للسلطة التربوية والانضباط، ومع انكسار تلك السلطة تراجعت قيمة المعلم وسقطت هيبة المدرسة، فتسربت الفوضى من داخل الفصول إلى الشارع، وألقت بظلالها على سلوك المجتمع ككل.
والأمرّ من ذلك، أن الوزارة الحالية تستمر في الدوران حول الشكل دون الغوص في المضمون، من خلال التركيز على البيروقراطية المستهلكة للوقت والجهد، بتكثيف التقييمات الأسبوعية والواجبات المنزلية والامتحانات الشهرية المتكررة، وهو ما أرهق المعلم والطالب وأولياء الأمور دون إضافة حقيقية لمستوى الفهم أو بناء شخصية الطالب. وما إعلان الوزير عن زيادة عدد أيام السنة الدراسية إلا دليل آخر على الفجوة بين الفكر الإداري التقليدي والتوجهات العالمية الحديثة، ففي الوقت الذي يتجه فيه العالم نحو التعليم الذكي والعن بُعد والاستثمار في المنصات التفاعلية العصرية التي تتيح للطلاب التعلم بمرونة وكفاءة دون التقيد بالبقاء البدني داخل الجدران، تُهدر الطاقات في زيادة أيام الحضور المقنع داخل مدارس تعاني في الأصل من كثافات مرتفعة ونقص في الإمكانيات.
ويظهر هذا الارتجال جلياً في التسرع بفرض نظام البكالوريا – وهي المرحلة الأكثر أهمية التي تمثل عنق الزجاجة لمستقبل الطالب والوطن – حيث تم إقراره وتطبيقه باجتهاد شخصي دون تحضير حقيقي أو ربط تدريجي بمراحل التعليم السابقة له، بدءاً من رياض الأطفال والحضانة مروراً بالابتدائي والإعدادي. ونتيجة لغياب الرؤية التراكمية وعدم وجود معلمين مدربين ومؤهلين للتعامل مع هذا النظام الجديد، وجدنا أنفسنا أمام معادلة صفرية: طالب غير مجهز تأسيسياً، ومعلم غير جاهز مهنياً لنظام تم فرضه قسراً على المنظومة، مما يحول تلك المرحلة الحساسة من فرصة للتطوير إلى مأزق جديد يهدد مستقبل أبنائنا.
ولكي ننتقل من مرحلة المسكنات والقرارات الفردية إلى الإصلاح الشامل، فلابد أولاً من سنّ قانون للحصانة التربوية يمنح المعلم حماية كاملة داخل أسوار المدرسة وتجريم أي تطاول عليه أو على المنشأة التعليمية بعقوبات رادعة ومغلظة لإعادة الانضباط والردع. يواكب ذلك وضع برنامج تدريبي رفيع المستوى لتأهيل المعلمين وفق أحدث المعايير الدولية، بالتوازي مع رفعهم إلى قمة سلم الأجور في الدولة ضماناً لتفرغهم الكامل وكرامتهم الاجتماعية.
كما يجب وضع منهج بمواصفات عالمية ولكن ببراعة مصرية تركز على الكيف لا الكم، لترتبط بالهوية الوطنية واحتياجات سوق العمل وتطلعات الاقتصاد، مع الاعتماد الحقيقي على التكنولوجيا والمنصات التعليمية الحديثة لتطوير مهارات التفكير والبحث والإبداع بدلاً من استهلاك وقت الطالب في الأوراق والتقييمات الشكلية. وكل ذلك لن يكتمل إلا عبر خطة قومية لبناء مدارس حديثة متكاملة تضم المعامل والملاعب والمقومات الثقافية بكثافة لا تتجاوز 25 طالباً في الفصل الواحد.
وهذا العلاج الجذرى يتطلب بالضرورة تدخل القيادة السياسية لتبني استراتيجية عمل طويلة المدى تعيد ترتيب الأوراق، من خلال تشكيل لجنة العليا من علماء التعليم والخبراء المتخصصين الحقيقيين، تتبع رئيس الجمهورية مباشرة، وتتولى قيادة وإدارة هذه الرؤية المتكاملة لتطوير المنظومة التعليمية بعيداً عن أهواء التغييرات الوزارية والاجتهادات الفردية، ليصبح التعليم بحق قاطرة العبور لنهضة الوطن وصناعة مستقبله.










