مقالات الرأى

‏صفوت عباس يكتب: ‏ ‏(علمني كيف أصطاد! )

‏في فيلم «عمارة يعقوبيان» يقول أحد الأبطال – الذي يرمز إلى ركن من أركان الحزب الحاكم آنذاك (٢٠٠٦): «الشعب متعلق في ديل الحكومة كأنها أمه اللي خلفته». العبارة صحيحة تمامًا في مصر؛ فالشعب – إلا قليلًا – منذ ثورة ١٩٥٢ وقت عرض الفيلم، اعتمد في تعليمه ووظيفته وسكنه وعلاجه وحمايته الاجتماعية على الدولة، سواء كان ميسورًا أو معسورًا. كرّس هذا الاعتماد ثقافة «عايز حقي».

‏جاءت الثورة بنظام اشتراكي كرد فعل على مجتمع طبقي: أقلية غنية وأغلبية معدمة، وبينهما طبقة وسطى هلامية ارتقت بقربها من الأغنياء. بعد التأميم والإصلاح الزراعي انتقلت كثير من الثروات إلى هذه الطبقة بأسعار زهيدة أو بلا مقابل، فصارت تستفيد هي أيضًا من التعليم والوظيفة والمقررات التموينية.
‏هذا العبء تضخم مع الزيادة السكانية ( اقل من ٣٠ مليونًا إلى أكثر من ١١٠ ملايين)، فأصبحت منظومات الحماية الاجتماعية مشوّهة وغير فاعلة، رغم إنفاق مئات المليارات. الأفكار الاشتراكية تحقق عدلًا في بدايتها، لكنها على المدى الطويل تورّث البلادة والاعتمادية وتحمّل الحكومة مسؤولية كل ضيق مادي أو فشل تعليمي.

‏كانت الوظيفة قديمًا تحقق وضعا وجاهة وتشبع حاجات بسيطة، أما اليوم فأصبحت «تَسْتُر ولا تُغني»، ومع ذلك ظلّ الشغف الشعبي بها قائمًا، حتى حوّل التعليم في أذهان الناس إلى «تعليم للتوظيف لا للتعليم».

‏ومع الميكنة وضغط الإنفاق الحكومي شحّت فرص العمل حتى كادت تنعدم.

‏الوضع يحتاج مشروعًا قوميًا فكريًا وتنفيذيًا يُمكّن طالبي العمل من إعالة أنفسهم، ويُعفي الدولة من نفقة دعمهم، بل يحوّلهم إلى مساهمين في الموازنة عبر الضرائب. تجارب سابقة تستحق الدراسة والتكرار: الإصلاح الزراعي الذي مكّن ملايين الفلاحين، ومشروعات الاستصلاح (الصالحية والعامرية والنوبارية ووادي كوم أمبو ووداي عبادي والصعايد والنقره…) التي منحت أراضي للمعدمين والخريجين فخلقت مجتمعات واعدة مكتفيه منتجه.

‏حتى نشاط «الدهابة» – رغم عدم شرعيته – أثبت قدرة الملايين على الاكتفاء بإمكانات ضعيفة، ويستحق الضبط القانوني وتقنينه باجراءات بسيطه غير الموجهه لكبار المستثمرين ودعمهم فنيا بما يضمن استدامه وشرعيه نشاطه ويمنع اقصائهم الذي يعيدهم إلى دائرة الحاجة.

‏تمكين البسطاء بفرص عمل خاصة – ولو بدعم مسترد – يوجّه نفقات الحماية إلى استثمار أرحب وإلى التعليم الحقيقي الذي ينتج عقلًا قادرًا على العمل. قد يتجاوز المشروع طاقة الدولة حاليًا، لكن البنوك المعبأة بتريليونات الودائع قادرة على تمويله بائتمان مسترد.
‏عندها يتحقق المثل:

زر الذهاب إلى الأعلى