مقالات الرأى

إيمان سعيد تكتب: أنت تختار اليوم… وطفلك قد يعيش نتيجة اختيارك لسنوات

أحيانًا الإنسان بيكون فاكر إن قرار الزواج قرار شخصي جدًا، وإنه طالما هو مقتنع بالشخص ئلي اختاره، يبقى محدش من حقه يحاسبه على اختياره. لكن الحقيقة إن اللحظة ئلي بتقرر فيها تدخل إنسان حياتك، وتبني معاه بيت، وتجيب منه أطفال، القرار ما بيبقاش ملكك وحدك… لأن في طفل ممكن ييجي بعدك يعيش تفاصيل القرار ده يومًا بيوم، من غير ما يكون اختاره، ومن غير حتى ما يكون قادر يفهم ليه اتكتب عليه يعيش نتائجه.

أنت ممكن تقع في الحب وتكون شايف أجمل نسخة من الشخص ئلي قدامك. ممكن تسمع كلامًا يخليك مصدق إنك أخيرًا لقيت الأمان، وتشوف اهتمامًا يخليك تتخيل إن العمر كله هيكون بنفس الصورة. لكن الزواج مش بيكشف الإنسان وهو بيحب فقط، الزواج بيكشفه لما يختلف، لما يغضب، لما يتعرض لضغط، لما تتعقد الحياة، لما تقل الفلوس، ولما تبدأ المسؤوليات الحقيقية. هنا تحديدًا بتسقط الأقنعة، وبتظهر الأخلاق الحقيقية.

وعشان كده، قبل ما تختار شخصًا تعيش معاه، حاول تشوفه في أسوأ حالاته، مش أحسنها. شوفه وهو غاضب، وهو مختلف معاك، وهو مش واخد ئلي هو عايزه.
اسأل نفسك: هل يستطيع أن يختلف دون أن يهين؟
هل يعرف أن يعتذر عندما يخطئ؟
هل يحترم من هو أضعف منه؟
هل يستطيع أن يسيطر على غضبه؟
هل عنده رحمة ومسؤولية؟
لأن الشخص ئلي ممكن يكسر قلبك أنت، ممكن في يوم من الأيام يكسر أمان طفل لا ذنب له.

وأصعب ما في الاختيار الخاطئ إنك تستطيع يومًا أن تغادر العلاقة، لكن طفلك لا يستطيع أن يغادر آثارها بسهولة. ممكن أنت تنسى موقفًا حصل من سنوات، لكن الطفل يفضل فاكر صوت الصراخ، شكل الخوف على وجه أمه، غضب الأب، بابًا اتقفل بعنف، أو ليلة نام فيها وهو مش فاهم ليه البيت ئلي المفروض يكون أمانه أصبح مصدر خوفه.

الطفل لا يحتاج أبًا وأمًا كاملين، لأن الكمال غير موجود، لكنه يحتاج أن يرى أمامه إنسانين يعرفان كيف يختلفان دون أن يهدم أحدهما الآخر. يحتاج أن يشعر أن البيت ليس مكانًا يجب أن يمشي فيه على أطراف أصابعه حتى لا يغضب أحد. يحتاج أن يعرف أن الحب لا يعني السيطرة، وأن الرجولة ليست قسوة، وأن القوة ليست إهانة، وأن المرأة ليست ضعيفة لأنها اختارت أن تكون رحيمة.

والمؤلم أن بعض الناس لا ينتبهون لكل ذلك إلا بعد أن يأتي الطفل، وبعد أن يصبح الرجوع أصعب، وبعد أن تتحول الخلافات إلى معارك، ويبدأ كل طرف في استخدام الطفل كوسيلة ضغط على الطرف الآخر. فجأة يصبح الأب الذي كان يحلم بابنه، لا يراه إلا من خلال خصومة مع الأم، وتصبح الأم التي كانت تريد حماية طفلها، تضعه في منتصف الصراع من حيث لا تشعر.

فيكبر الطفل وهو يحمل سؤالًا لا يجب أن يحمله طفل: “أحب بابا ولا ماما؟” وكأن عليه أن يختار بين نصفين من قلبه، وكأن حب أحدهما خيانة للآخر.

لا تجعلوا أبناءكم يدفعون ثمن اختياراتكم. إذا فشل الزواج، فليكن فشل العلاقة بين شخصين، وليس فشل طفولة كاملة. لا تجعلوا الطفل صندوق رسائلكم، ولا تنقلوا إليه غضبكم، ولا تجعلوه شاهدًا على أسرار الكبار، ولا تطلبوا منه أن يكره من تحبون أنتم كرهه. هو ليس طرفًا في المعركة، ولن يكون مسؤولًا عن نهايتها.

والأهم من كل ذلك… لا تختار شريك حياتك لأنك خائف من الوحدة، ولا لأن الوقت يجري، ولا لأن الناس تسألك: “إمتى هتتجوز؟”، ولا لأن شخصًا يعرف كيف يقول لك الكلام الذي تتمنى سماعه. اختَر بعقلك كما تختار بقلبك، لأن القلب قد ينجذب بسرعة، لكن الأطفال عندما يأتون إلى الدنيا يحتاجون إلى بيت اختير بعقل ومسؤولية.

اسأل عن أخلاقه قبل مستواه، وعن طباعه قبل مظهره، وعن رحمته قبل إمكانياته، وعن طريقة تعامله وقت الغضب قبل طريقة تعبيره عن الحب. راقب كيف يتعامل مع من لا يستطيع أن يقدم له شيئًا، لأن هناك ستعرف إن كنت أمام إنسان حقيقي أم مجرد شخص يجيد ارتداء الصورة التي يحب الآخرون أن يروها.

وفي النهاية، الزواج ليس مجرد شخص تحبه اليوم، وإنما حياة كاملة قد تضع بين يديك أطفالًا يحملون اسمك، ويأخذون منك الكثير دون أن تشعر. لذلك لا تختار فقط من يجعلك سعيدًا في لحظة… اختَر من تستطيع أن تأمنه على سنوات من عمر أطفالك.

لأنك أنت تختار اليوم… لكن طفلك قد يعيش نتيجة اختيارك لسنوات.

وقد تكون أجمل هدية تقدمها لطفلك قبل أن يولد… أنك اخترت له بيتًا لا يخاف فيه، وأبًا وأمًا يعرفان أن خلافاتهما لا تمنحهما الحق في كسر قلبه..

زر الذهاب إلى الأعلى