أحمد فرغلي رضوان يكتب : الأوديسة..مأساة الحروب وجراح النفس البشرية

عندما أعلن عن مشروع المخرج كريستوفر نولان الجديد “الأوديسة” تعجب الجميع من الاختيار وكيف سيخرج هذا العمل إلى شاشة السينما!
كان هذا المشروع تحدي لنولان المغرم بالزمن وكيف يعيد تقديم هذا العمل الأدبي القديم جدا في صورة جذابة للجمهور على شاشة السينما لذلك عمل منذ البداية علي تفاصيل كثيرة أهمها البحث عن أماكن تصوير طبيعية تقترب من أحداث الرواية،تم تصوير الفيلم في 6 دول ” اليونان، اسكتلندا، ايسلندا، إيطاليا، المغرب ، الولايات المتحده ” وتقليل استخدام المؤثرات البصرية إلى الحد الأدنى وغير ذلك من التفاصيل ليخرج الفيلم بالصورة التي شاهدناها.
الفيلم يقدم بطل طروادة اوديسيوس الذي يبحث عن العودة لبلاده ولكته مثقل بجراح الماضي ومحاسبة النفس على ما حدث وفقدانه رجاله رغم الانتصار الكبير في حرب طرواده وانتهى به الأمر أن أصبح وحيدا تائها فوق جزيرة معزولة بعد أن أدرك أن النصر في هذه الحرب لم يكن النهاية بل بداية اللعنة ومعاناته النفسية بعد أن تحولت ثقته بنفسه إلى غرور القائد المنتصر والذي بسبب تهوره فقد جميع رجاله خلال رحلة العودة!
تركيبة نفسية عميقة لشخصية اوديسيوس حاول كريستوفر نولان والذي كتب السيناريو أيضا أن يقترب منها ويكشف خبايا النفس البشرية لها ونجح الممثل “مات ديمون” في تجسيد الشخصية بأداء ممتاز لمراحل تلك الشخصية المختلفة.
الفيلم يقترب جدا من الجمهور العام ليقدم لهم تلك الأسطورة في أجواء سينمائية مشوقة ولذلك كانت الإيرادات الكبيرة حول العالم تجاوزت حتى الآن مليار و100 مليون دولار.
كعادته يتلاعب نولان بالزمن من خلال الفلاش باك ليروي اوديسيوس رحلته مع معركة طروادة وما حدث له ورجاله من أهوال ولعنات بسبب الحرب والدماء، هي لعنة أكثر منها انتصار حققه حيث أصبح أثيرا فوق الجزيرة يداوي جراحه لسنوات قبل أن يعود لوطنه ونشاهد على الجانب الأخر زوجته وابنه وما يحدث لهما في ايثاكا! ونجح الفيلم في خلق جو من الإثارة والمغامرة مع الدراما الإنسانية المؤثرة مرورا بقصة الحب لاوديسيوس وبينلوبي ، نجح نولان في عمل توازن خلال أحداث السيناريو بين مشاهد المشاعر الإنسانية والمشاهد الخيالية بل يمكن القول إنه متح الأولوية للمشاعر الإنسانية ووضح ذلك في مشاهد اوديسيوس وبينلوبي.
اختار نولان أن يكتب نهاية غامضة بعض الشيء حيث لم يعود اوديسيوس إلى عرشه بل تركه للابن واختار هو المنفى وأن يذهب بعيدا ، ولا نعرف مصيره ، اختار نولان ألا يروي فيلم الأوديسة قصة انتصار بطل طروادة ولكن اختار قصة رجل يحاسب نفسه أمام ضميره وهو يقول ” كان حرق أسوار طرواده بمثابة حرق العالم بأسره” .
وهنا أشير يظل مشهد حصان طرواده واحد من أفضل مشاهد السينما العالمية في التصوير خلال 2026 منذ سحبه من على الشاطيء وحتى وضعه على أسوار المدينة والجنود بداخله.
مع نولان خلف الكاميرا هناك فريق مميز جدا عملوا معه من قبل مدير التصوير هويت فان والموسيقار لودفيج جوارنسون والمونتيرة جينيفر ليم والثلاثي حازوا على الأوسكار عن فيلم أوبنهايمر ! هل يتكرر نفس الإنجاز مرة أخرى مع الأوديسة ؟ أعتفد على الأقل أثنان منهما حجزا المنافسة بشدة على الجائزة الرفيعة ” التصوير والموسيقى”.
الأداء التمثيلي معظم الممثلين تم توظيفهم بشكل رائع حتى المغني العالمي ترافيس سكوت الذي فاجأ الجميع وتعجب من اتصال نولان به وقال له وقتها “لحظة قبل أن تكمل كلامك هل تعلم أنني مغني فقط ” ظهر في دقائق معدودة في دور الشاعر الذي يروي الأحداث.
مات ديمون قدم واحد من أفضل أدواره في هوليوود ويستحق الترشح للأوسكار شخصية البطل بكل تناقضاته الإنسانية.
آن هاثاواي قدمت شخصية بينلوبي الحكيمة الهادئة والقوية والتي تتعامل بذكاء في صد الخاطبين !
توم هولاند أداء ناضج وتنسى أنه بطل سبايدرمان
ليجويزامو قدم أداء لافت لشخصية خادم اوديسيوس
سامانتا مورتون في شخصية “سيرسي” الساحرة أداء ممتاز تظل تتذكره رغم مشاهده المعدودة.
روبرت باتينسون قدم نموذج لشخصية الشرير “المستفز” تكرهه منذ المشهد الأول.
تشارليز ثيرون وزيندايا حضور جيد أيضا.
في النهاية نجح نولان في صناعة فيلم أسطوري تاريخي مع بعض دراما الرعب، من خلال سردية رائعة وجذابة جماهيريا وإعادة أسطورة قديمة إلى العصر الحالي ولجمهور بمختلف الأجيال رغم أنني قرأت بعض الأراء السلبية ولكن في النهاية الفيلم حقق نجاحا جماهيريا ساحقا.
بدون شك كريستوفر نولان هو المخرج الأكثر ابتكارا بين أبناء جيله.
تقييمي للفيلم 9 / 10










