إيمان سعيد تكتب: أنت لست مُرهقًا… أنت مُستنزَف هناك أشخاص ماتوا منذ سنوات… لكن أحدًا لم يدفنهم

يمشون بين الناس، يذهبون إلى أعمالهم، يبتسمون في الصور، يردّون على الرسائل، ويؤدون كل ما يُطلب منهم… لكن أرواحهم توقفت عن الحياة منذ زمن. لم يقتلهم المرض، ولم تهزمهم السنين، بل استنزفتهم الأيام حتى فقدوا دهشتهم، وأطفأت داخلهم الرغبة في المحاولة، فأصبحوا يعيشون لأنهم لم يجدوا سببًا للموت… لا لأنهم وجدوا سببًا للحياة.
وهنا تكمن الكارثة.
فالإنسان لا يسقط فجأة، بل يسقط ببطء. يسقط كل مرة يتجاهل فيها نفسه، وكل مرة يسمح فيها لخيبة أن تتحول إلى قناعة، وللفشل أن يتحول إلى هوية، وللكلمات السامة أن تصبح صوته الداخلي. ومع الوقت، يصدق أنه لم يعد قادرًا، وأن الحياة لم تعد تحمل له شيئًا يستحق الانتظار.
لكن الحقيقة مختلفة تمامًا…
الحياة لم تتغير… أنت الذي تغيرت. لم تعد ترى إلا ما فقدته، ولم تعد تسمع إلا صوت مخاوفك، ولم تعد تشعر إلا بما يؤلمك. حتى النور حين يقترب منك، تكون منشغلًا بالنظر إلى الظل.
كم هو مؤلم أن يقضي الإنسان سنوات يبحث عن مفتاحٍ لبابٍ مغلق، بينما خلفه كانت عشرات الأبواب مفتوحة، لكنه لم يلتفت إليها أبدًا.
توقف عن خوض المعارك التي لا نهاية لها داخل رأسك. توقف عن إعادة المشاهد القديمة، وعن محاكمة نفسك على أخطاء انتهت، وعن انتظار اعتذار لن يغيّر شيئًا، وعن مطاردة أشخاص اختاروا الرحيل. فما يستنزف روحك ليس ما حدث… بل استمرارك في حمله وكأنه يحدث الآن.
لن تعود طاقتك لأنك أخذت إجازة، ولن يمتلئ قلبك لأن الظروف أصبحت مثالية، فالحياة لن تتوقف حتى ترتاح. أنت من يجب أن يتوقف قليلًا، لا ليستسلم… بل ليستعيد نفسه. أن يتصالح مع ما لا يستطيع تغييره، وأن يترك ما لم يعد يستحق، وأن يفتح نافذة يدخل منها الهواء إلى روحٍ أغلقتها الأحزان طويلًا.
واعلم أن أقسى سجن قد يعيش فيه الإنسان هو عقله عندما يمتلئ بالأفكار السوداء. وأعظم حرية يمكن أن يحصل عليها هي أن يقرر، في لحظة شجاعة، ألا يسمح للماضي بقيادة مستقبله، ولا للخذلان بسرقة ثقته، ولا للخوف بأن يكتب بقية عمره.
في يومٍ ما، ستدرك أن الحياة لم تكن تنتظر منك أن تكون أقوى من الجميع… كانت تنتظر منك فقط ألا تتخلى عن نفسك.
وحين تغيّر نظرتك، لن يتغيّر العالم… لكن العالم الذي بداخلك سيتغيّر، وعندها فقط ستكتشف أن السلام النفسي ليس هدية تمنحها لك الحياة، بل قرار تتخذه أنت… كل صباح ..










