صفوت عباس يكتب: ( الجائع يحلم بسوق العيش في الغرب ايضا..!)

هرم ماسلو للاحتياجات يرتّب الاحتياجات البشرية، فيضع الاحتياجات الفسيولوجية في أساس الهرم، ويضع الغذاء كأول الاحتياجات إلى جانب عناصر أخرى: الماء، والهواء، والنوم، والمأوى، والجنس. وبدونها لا يستطيع الإنسان البقاء على قيد الحياة، ولا تستمر الحياة الإنسانية عمومًا. ثم تعلوها في الهرم الحاجة إلى الأمن، فالحاجة إلى إثبات الذات وتلك تعد ترفا مع ضيق العيش.
وعليه، عندما تقسو الحياة وتستحكم أمور العيش، ويصبح إدراك الغذاء وتدبيره أمرًا صعبًا، تنعدم إرادة الإنسان وتتلاشى رغباته، فيسلك سلوكًا غير سويّ أو منضبط، ويرتهن عقله لمعدته، ويفرغ لفراغها. ومن ثم يسهل اختطافه وتوجيهه عقليًا إلى جهة تحقق له الطعام الذي يقيم صلبه ويراود أحلامه، على وزن المثل: «الجيعان يحلم بسوق العيش».
في الفضاء السياسي الغربي الذي يتمتع بقدر ديمقراطي واسع، يلجأ السياسيون المنافسون انتخابيًا إلى استدعاء مشكلة تدني مستوى معيشة الناخبين، وتسويق حلول للتضخم المصاحب لزمن الانتخابات، معتبرين أن السياسات القائمة هي التي أدت إلى ذلك، ويدعون الناخبين إلى مشروعهم السياسي البديل عن حالهم الحالي.
بعد عام ٢٠٢٠ وقع العالم كله تحت ضغط موجة تضخمية بفعل كورونا وحرب روسيا-أوكرانيا، اللتين أثّرتا بشكل واضح في ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة وانخفاض معدلات النمو في العالم أجمع. ووقع الجوع الذي عزّز التوجه السياسي للشعوب في أوروبا وأمريكا، فعاقب الصوت الانتخابي الحكومات القائمة، وحملها المسؤولية عن ارتفاع الأسعار وفقدان القوة الشرائية والبطاله وفقد الناس الثقة في الأحزاب القائمه، واتجهوا نحو بدائل تعد ببديل أفضل.
في ألمانيا زاد دعم حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف. وفي فرنسا صعد حزب التجمع الوطني بقيادة مارين لوبان ، اللذين استفادا من أزمة المعيشة، وحققا في الانتخابات التشريعية المبكرة ما أحرج ماكرون. وفي إيطاليا صعدت جورجيا ميلوني اليمينية. وفي أمريكا صعد ترامب اليميني، إذ سوّق برنامجًا يبشّر بعكس الوضع المعيشي المتأزم الناتج عن سياسات الديمقراطيين.
وفي الاتجاه المعاكس، بالتحول إلى اليسار بعد ٢٠٢٠، بعد أن ثبت أن برنامج ترامب لم يعالج التضخم وارتفاع الأسعار، اتجه الرأي العام إلى الديمقراطيين، ففاز زهران ممداني الديمقراطي في معقل الجمهوريين الرأسماليين «نيويورك» وينتظر تصفيه حساب انتخابي اشد في انتخابات ابتجديد النصفي بعد شهور، وتحولت أمريكا اللاتينية إلى حكومات يسارية في بوليفيا وهندوراس وبيرو وتشيلي وكولومبيا والبرازيل. بينما حقق حزب العمال البريطاني، كاتجاه يساري بقيادة ستارمر، فوزا بعد سيطرة حزب المحافظين لمدة 14 سنة.
كل هذا على أثر واقع معيشي صعب وتضخم وبطالة ومعدلات نمو منخفضة. يسوق اليمين أسبابها – إن كان في موقع المعارضة – بأنها نتاج سياسات يسارية سمحت بالمهاجرين مثلًا، ويسوق لها اليسار – إن كان معارضًا – بأنها نتاج عدم العدالة الاجتماعية وتغول رأسمالي وعدم عدالة ضريبية.
المشكلة الكونية بالتضخم والغلاء يستغلها السياسيون الغربيون لعبور بوعد علاجها إلى الحكم. وفي الحالتين كان اليسار في دول، واليمين في دول أخرى، متهمًا بأن سياساته هي السبب.
الناس إذ يختارون من يبيع لهم حلمًا بعيش رغيد ورفاهية وأجر أكبر، لا يختارون فكرًا اقتصاديًا بقدر ما يختارون ضمانًا لعيشهم الذي تجاوز الخبز والأرز إلى بعض مظاهر الترف التي أصبحت بنظرهم ضرورية. هم جائعون لها ويحلمون بسوقها.










