د. باسم المذحجي يكتب: قراءة في أبعاد الحرب الدائرة في اليمن

أولاً: هل هي حرب باردة جديدة؟
كُتب الكثير عن طبيعة الأحداث في اليمن، وتحديدًا حول ما إذا كانت تعكس حربًا باردة ذات طابع طائفي بين دول الخليج السنية وإيران.
والإجابة: نعم، ولكن بشروط محددة.
فالهدف ليس السيطرة على البحر الأحمر، وإنما تعطيل الملاحة البحرية فيه، وخلق ضغط اقتصادي وسياسي يمنح الحوثيين نفوذًا إقليميًا.
للتذكير ؛منذ فوضى عام 2011، مرورًا بانقلاب 2014، وصولاً إلى هدنة 2022، كانت الأولوية الدولية منصبة على تحقيق الاستقرار في اليمن على حساب مشروع بناء الدولة والديمقراطية.
أما اليوم، فقد نقضت جماعة الحوثي الهدنة مع الحكومة المعترف بها دوليًا والمدعومة من العالم، وصعّدت من هجماتها على المناطق الواقعة خارج سيطرتها.
ثانياً: هل استوعبت الميليشيا الدرس الأمريكي؟
يبدو أن الميليشيا لحوثية قد استفادت من التجارب السابقة. نراها اليوم تمارس اللجوء إلى” تصعيد محدود ومتقطع”، يركز على استهداف السفن العابرة في الممرات البحرية، لاسيما تلك المرتبطة بالسعودية، مع تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع القوى الكبرى.
وقد يشمل ذلك تنفيذ هجمات متكررة باستخدام زوارق منخفضة الكلفة ومركبات بحرية غير مأهولة.
أما التصعيد الواسع الذي يستهدف أصولاً برية أو بحرية استراتيجية، فهو أمر مستبعد، نظراً لإدراك الحوثيين لتبعاته وكلفته العالية.
ثالثاً: الميليشيا تحت مجهر الاستخبارات.
كشفت الجماعة عن مواقعها الجديدة بطريقة غير محسوبة. فقد أعادت توزيع منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى مناطق جبلية وعرة، خصوصًا في السلاسل الجبلية المطلة على البحر الأحمر في محافظتي الحديدة وحجة، ومنها مديريتا اللحية والزهراء.
تمنح هذه المواقع الجماعة ميزتين: رؤية شاملة لحركة الملاحة البحرية لتسهيل الاستهداف، وحماية نسبية من الضربات الجوية، مع إمكانية نقل منصات الإطلاق بسرعة.
كما لجأت إلى مواقع غير تقليدية لم تُستخدم من قبل، وقلّلت من الاعتماد على الاتصالات الرقمية لتفادي كشف مواقعها، وهو ما يعكس إدراكها لمخاطر الاستهداف. وقد رصدت أجهزة استخبارات إقليمية ودولية هذه التحركات مؤخرًا.
رابعًا: استراتيجية إيرانية واضحة المعالم.
تضح معالم الاستراتيجية الإيرانية في انتظار “اللحظة المناسبة” للانخراط بطريقة تُحدث أثرًا كبيرًا على الرأي العام وتؤثر في مسار الصراع مع واشنطن.
ويتم ذلك عبر تهديد خطوط الشحن البحري ومصادر الطاقة، بهدف ممارسة ضغط اقتصادي وسياسي، دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع القوى الكبرى.
ولوحظ في الوقت نفسه، توظيف الصين وروسيا مجلس الأمن كمنصة لإدارة تنافسهما مع الغرب، وليس بالضرورة كآلية لإيجاد حل للأزمة اليمنية.
خامساً: الحالة اليمنية باختصار.
كان مؤتمر الحوار الوطني بين عامي 2013 و2014 محاولة لتحقيق مصالحة وطنية شاملة، جمعت الرئيس السابق علي عبدالله صالح، والرئيس عبدربه منصور هادي، والحوثيين، والحراك الجنوبي، وتجمع حزب الإصلاح” أخوان اليمن”، وبقية المكونات.
لكن الأمور خرجت عن السيطرة، ودخلت البلاد في نزاع مسلح مستمر منذ 12 عاماً.
سادساً: أبعاد المشهد الراهن.
1. البعد العسكري والميداني.
تجدد المواجهات المسلحة والهجمات المتبادلة بين القوات الحكومية وميليشيا الحوثي في عدة جبهات، مع تصاعد عمليات القصف البري واستخدام الطائرات المسيّرة.
2. البعد المحلي.
هناك مخاوف حقيقية من تحول المناوشات الحالية إلى حرب برية شاملة وواسعة النطاق.
3. البعد الإقليمي والدولي.
يرتبط التصعيد الداخلي ارتباطًا مباشرًا بالتوترات الإقليمية وأمن الملاحة في البحر الأحمر. كما يستمر الدعم الإقليمي لأطراف النزاع، ويؤثر صراع القوى الدولية على فرص التوصل إلى حل سلمي.
4. البعد الإنساني والمعيشي.
يعيش المدنيون تحت وطأة الخوف المستمر، مع مخاطر نزوح جديد وتدهور متسارع في الأوضاع المعيشية. وتستمر الضغوط الاقتصادية الحادة، وينعكس انهيار البنية التحتية سلبًا على الحياة اليومية للمواطنين في مختلف المحافظات.وتعد الأخيرة أحدث جرائم الحرب للميليشيا في اليمن.
الخاتمة.
باختصار، لم تعد اليمن أزمة محلية فحسب، بل تحولت إلى ساحة وظيفية تُدار لخدمة أجندات إقليمية ودولية.
وما لم يتم التعامل مع جذور هذا التوظيف عسكريًا وسياسيًا واقتصادياً،فسيظل اليمن أسيرًا لدورة صراع مفتوحة.
باحث استراتيجي يمني










