مقالات الرأى

اروى محمود تكتب :مستقبل الذكاء الالصطناعى فى اعادة تشكيل سوق العمل العربي .. فرص ام تهديدات؟

الثورة الصناعية الرابعة لم تعد توقتاً لمواعيد بعيدة؛ بل هي ظاهرة حالية تغير المجتمعات والاقتصادات بوتيرة غير مسبوقة. القوة المحركة لهذه الثورة هي تحديداً “الذكاء الاصطناعي التوليدي”، الذي لا يُستهدف فقط لتولي الأعمال البدنية الأكثر تكراراً وإرهاقاً، بل أيضاً لمنافسة العقل البشري في التفكير التجريدي. الواقع الجديد لسوق العمل، سواء العالمي وخاصة العربي، يقف عند مفترق طرق لاتجاهات متناقضة: فإذا كانت هذه الثورة بالنسبة لبعض الوظائف والفرص والوصول إلى دخل أعلى تُعد بركة، فإنها بالنسبة لآخرين قد تكون نذير أزمة وبطالة. ولتفهم هذا الوضع، من الضروري النظر في خصائص سوق العمل في العالم العربي ومدى جاهزيته لمثل هذه التقنيات المربكة.
وفقاً لتقارير صندوق النقد الدولي والمنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2026، سيؤدي الذكاء الاصطناعي إلى إزاحة نحو 40 بالمئة من الوظائف الحالية عالمياً وحتى 60 بالمئة في الدول المتقدمة بسبب هيمنة العمل المعرفي. الوضع في السوق العربي أقل حدة، ولكنه ليس مفضلاً، حيث إن الوظائف المهددة بالخطر أقرب بكثير إلى العمال من المستوى المتوسط. القطاعات العربية الأكثر عرضة لاضطراب الذكاء الاصطناعي هي قطاعات خدمة العملاء والدعم الفني، لأن روبوتات المحادثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي أصبحت الآن قادرة على تقديم المساعدة باللغات المحلية على مدار الساعة بتكلفة زهيدة مقارنة بالموظف البشري. القطاعات الأخرى التي تشهد تراجعاً بسبب الذكاء الاصطناعي هي الخدمات الإدارية والمكتبية، والتي تتضمن أنشطة كتابية مختلفة، وإدخال البيانات، والإدارة التي يمكن أتمتتها.
وأخيراً، الخط الأول من القطاع المالي والمحاسبي معرض أيضاً للخطر، حيث يمكن للمساعدين المحوسبين الآن أداء العديد من المهام الروتينية المرتبطة بإعداد الميزانية، ومسك الدفاتر، وإعداد التقارير المالية بسرعة أكبر وأخطاء أقل مقارنة بالبشر. أشد العواقب وخامة لهذا الاضطراب ترجع إلى أن العالم العربي مجتمع شاب يضم العديد من المزايا الديموغرافية التي يجب أن تجد فرص عمل كل عام. وإذا لم يجد هذا التدفق استيعاباً في سوق العمل، فسيؤدي ذلك إلى الطبقية الاجتماعية لأن الشباب لن تعود لديهم فرص للوظائف المبتدئة والروتينية التي يشغلونها تقليدياً. في حين قد يبدو الوضع قاتماً في الوقت الحالي، إلا أنه من الجدير بفهم أن الذكاء الاصطناعي هو صانع للفرص أكثر من كونه مدمراً للوظائف. التاريخ الاقتصادي يخبرنا أن إدخال أي تكنولوجيا ثورية يؤدي دائماً إلى إزاحة بعض العمال مع خلق وظائف جديدة لأولئك الذين يعرفون كيفية استخدام هذه التقنيات.
بعبارة أخرى، من لا يتقن الذكاء الاصطناعي سيتم استبداله بمن يتقنه. في هذا الصدد، يبدو من الواعد ملاحظة أن جزءاً كبيراً من الوظائف الجديدة التي سيخلقها الذكاء الاصطناعي سيكون جديداً نوعياً ويتطلب مهارات رقمية متقدمة، مثل مهندسي الأوامر وصياغتها، الذين يعرفون كيفية التواصل مع الذكاء الاصطناعي للحصول على الإجابة الأكثر دقة. كما أن الخبراء في تحليل البيانات الضخمة للتنبؤ الاقتصادي مطلوبون أيضاً في السوق العربي. وأخيراً، فإن الحاجة إلى متخصصين في أمن البيانات وأخلاقيات التكنولوجيا واسعة النطاق أيضاً، حيث يقومون بحماية بيانات المؤسسات من الهجمات الخارجية وضمان أمن الأصول المالية والرقمية. المجال الواعد الآخر هو استخدام المهارات البشرية التي ليس لها نظير في الطبيعة في سياق تكامل الذكاء الاصطناعي. وتشمل هذه التفكير النقدي، والتواصل الاجتماعي، والقيادة، وإدارة الأزمات.
سيتعامل الذكاء الاصطناعي مع العمل الممل والنيطي، تاركاً التفكير الممتع والمبدع للبشر. هذا مهم بشكل خاص للعالم العربي لأن معظم الشركات تستخدم حالياً منصات رقمية أجنبية، مما يضع ضغطاً هائلاً على العمال المحليين الذين يجب عليهم رفع مستوى مهاراتهم عشرة أضعاف لمنافسة الروبوتات. ومع ذلك، فإن ظهور الذكاء الاصطناعي يفتح الباب أيضاً لمسيرة مهنية دولية كمتعاقد مستقل للعمال العرب.
وبالتالي، فمن خلال إتقان المهارات الرقمية، يمكنهم تقديم خدماتهم عن بعد للشركات المحلية والأجنبية دون الحاجة إلى الدخول في علاقة صاحب عمل وموظف. وجدير بالذكر أن مثل هذه التقييمات تتحدد بالأساس على مستوى الاتجاهات العامة، حيث يختلف الوضع بشكل كبير في جميع أنحاء العالم العربي، إذ توجد فروق ذات دلالة إحصائية في مستوى التحول الرقمي والجاهزية لمثل هذه التقنيات.
بعبارة أخرى، هناك فجوة رقمية مزدوجة في العالم العربي، مما يعني أن الانتقال إلى التقنيات الجديدة يتم بسرعات مختلفة في الدول الرائدة (دول الخليج العربي) وفي الدول العربية النامية التي تضم مئات الملايين من العمال المحتملين. فالأولى تستعد لدخول مقدمة سباق الذكاء الاصطناعي العالمي، حيث تخصص أجزاءً كبيرة من الموارد لبناء مراكز البيانات وتطوير استراتيجيات لدمج الآلة في القطاعات الحيوية للدولة. وفي الوقت نفسه، تركز الدول النامية على ضمان توفر الكهرباء المستدامة وتحديث البنية التحتية للاتصالات مع سد الفجوات المعرفية المحلية في الكفاءات الرقمية. والتحدي الذي يواجه هذه الدول يتلخص في تكييف التقنيات المعتمدة مع الاحتياجات المحلية واستخدامها لتحويل القطاعات الاقتصادية التقليدية (الزراعة والصناعة في المقام الأول)، وهو ما يسمح لها بضمان التوظيف وتقليل أعداد العاطلين عن العمل.
وفي هذا الصدد، لا غنى عن دور الجامعات والمؤسسات الأكاديمية المحلية في تحويل نظام التعليم الاستجابة لاحتياجات سوق العمل. وبشكل خاص، فإن نظام التعليم التقليدي الذي يركز على الحفظ والتلقين لم يعد مناسباً في سياق التغيير التكنولوجي السريع. ومن الضروري صياغة نموذج تعليمي جديد يكتسب فيه الطلاب مهارات العمل مع البيانات، والبرمجة الأساسية، والذكاء الاصطناعي. ومثل هذه المعرفة ستُمكّن الشباب العربي من أخذ مكانهم في العالم الحديث والمنافسة مع العمال الأجانب الذين يمتلكون خبرة واسعة في التكنولوجيا. وبذلك، يمكن الاستنتاج أن الذكاء الاصطناعي ليس تهديداً وجودياً للتوظيف ولا حلاً سحرياً للمشاكل الاقتصادية، بل هو أداة أساسية يمكن استخدامها لتحقيق أهداف محددة. وستكون المرونة في العنصر البشري والخيارات الاستراتيجية الصحيحة التي يتخذها صناع السياسات هي العامل الحاسم في الوضع الموصوف أعلاه.

زر الذهاب إلى الأعلى