مقالات الرأى

‏صفوت عباس يكتب: ‏ ‏(في ١٠ داونينغ ستريت.. كرسي رئيس الوزراء قلّاب)

‏عندما تشكل الديمقراطية وعيًا وفهما عامًا لدى الشعوب، تصبح هي الحاكم الحقيقي لنفسها، وتجعل أنظمة الحكم خاضعة لإرادتها، مرنة في الممارسة، تحترم الآليات التي أوجدتها، وتأخذ في حسبانها ألف حساب لقواعد الديمقراطيه، عندئذ يصبح الحس السياسي صانعًا للمسؤولية السياسية، التي تخلق شكلاً حريريًا سلسًا وسلميًا لتولي السلطة أو ممارستها أو التنحي عنها.

‏بريطانيا ديمقراطية عريقة، وتُعد ملهمة لكثير من ديمقراطيات العالم. فهي ليست الأقدم، لكن تاريخها الدستوري والبرلماني يجعلها من أعرق الديمقراطيات.ش

‏في الممارسة الديمقراطية، تُعد المسؤولية السياسية عن الخطأ أو الإخفاق عنصرًا فاعلاً يستوجب المساءلة والحساب والإقصاء. تمارسها الشعوب عبر الانتخابات الحرة، أو تمارسها البرلمانات عبر حجب الثقة، أو يمارسها السياسيون ذاتيًا قبل أن يسائلهم أحد، فيستقيلون عندما يخفقون أو لا يكونوا عند حسن ظن الجماهير ومطالبهم.

‏مقعد رئيس الوزراء البريطاني في ١٠ داونينغ ستريت بلندن شهد عدم استقرار ملحوظ على مدى سنوات. فقد تركه شاغلوه بالتنحي والاستقالة من عام ٢٠١٦ إلى ٢٠٢٦، حيث تولى المنصب ستة رؤساء وزراء خلال حوالي عشر سنوات عاصفة سياسيًا (منذ استفتاء بريكست بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي).

‏لم تفرق المسؤولية السياسية بين الحزبين الكبيرين (المحافظين والعمال). فقد استقال:
‏ديفيد كاميرون (حزب المحافظين) عام ٢٠١٦ بسبب خسارة استفتاء بريكست، واستقالن تيريزا ماي (حزب المحافظين) عام ٢٠١٩ بسبب فشلها في تمرير اتفاق بريكست في البرلمان ثلاث مرات.

‏بوريس جونسون (حزب المحافظين) عام ٢٠٢٢ بسبب فضيحة «بارتي جيت» (الاحتفالات الصاخبة في مقر رئيس الوزراء أثناء إغلاق كورونا)، ومسؤوليته السياسية عن فضائح جنسية لأحد قياديي حزبه (كريس بنشر).

‏ليز تراس (حزب المحافظين) عام ٢٠٢٢ استقالت بسبب «الميزانية المصغرة» التي تضمنت تخفيضات ضريبية كبيرة أثارت أزمة مالية حادة (انهيار الجنيه وارتفاع تكاليف الاقتراض). استقالت بعد ٤٩ يومًا فقط، وهي أقصر فترة في التاريخ.

‏واستقال ريشي سوناك (حزب المحافظين) عام ٢٠٢٤ بسبب خسارة الانتخابات العامة في يوليو بهزيمة تاريخية للمحافظين بعد ١٤ عامًا في السلطة، وسط أزمات اقتصادية وهجرة.

‏ومؤخرا  استقال كير ستارمر (حزب العمال) في يونيو ٢٠٢٦ بسبب تراجع شعبيته بشكل كبير، وخسائر كارثية في الانتخابات المحلية (مايو ٢٠٢٦)، بالإضافة إلى أخطاء سياسية (مثل تخفيضات في الرعاية الاجتماعية)، وضغوط حزبية داخلية وتمرد من نواب الحزب.

‏الشاهد أن معظم هذه الاستقالات لم تأتِ بتصويت برلماني بحجب الثقة، بل نتيجة ضغط حزبي داخلي، أو فضائح، أو فشل سياسي. وغالباً ما كانت مبادرات ذاتية من مسؤولين استشعروا الحرج من أخطائهم، فتركوا مناصبهم طواعية.

‏وسائل الإعلام التقليدية ووسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في نشر الأخطاء وتضخيمها، وشكلت ضغطًا قويًا دفع رؤساء الوزراء إلى استشعار أخطائهم، وكونت رأيًا عامًا داعمًا لرحيلهم. وبهذا وفّروا خطوات دستورية كان من الممكن أن يتخذها البرلمان أو الجماهير لإعفائهم من المسؤولية.

‏فكان معنى الديمقراطية الحقيقي: حكم الشعب للشعب. وهذا يظهر جليًا في أوساط شعوب تمتلك حسًا ديمقراطيًا عاليًا، متجردة من الهويات الأيديولوجية الضيقة التي تصنعها عقول مغلقة وجماعات تستغل الديمقراطية فقط للوصول إلى السلطة، ثم تخلع عنها عباءتها.

زر الذهاب إلى الأعلى