إيمان سعيد تكتب: حين يسقط وعي الكبار… يضيع مستقبل الصغار

قبل أن يتعلم الطفل كيف يتكلم، يكون قد تعلّم كيف ينظر، وكيف يغضب، وكيف يحكم، وكيف يعامل الآخرين. وما نراه اليوم ليس أزمة جيلٍ صغير، بل انعكاس واضح لجيلٍ كبير فقد في كثير من الأحيان وعيه قبل أن يفقد صوته.
أصبحنا نعيش زمنًا يشتكي فيه الجميع من الأطفال، بينما يتجاهل الجميع السؤال الحقيقي: من الذي صنع هذا الجيل؟
كيف نطالب طفلًا بالاحترام وهو يرى الإهانة لغةً يومية بين الكبار؟ وكيف ننتظر منه الرحمة وهو يشاهد القسوة تُمارس بلا شعور، والغضب يُبرَّر، والكذب يُجمَّل، والأنانية تُقدَّم على أنها ذكاء؟
الحقيقة المؤلمة أن أزمة الوعي لم تبدأ مع الصغار، بل بدأت حين ظن الكبار أن العمر وحده يمنح الحكمة. فالسن قد يزيد، لكن الوعي لا ينمو إلا بالتربية، والمراجعة، والتعلّم، والاعتراف بالخطأ.
صرنا نعيش في مجتمع يملك وسائل تواصل أكثر، لكنه يفتقد التواصل الحقيقي. الجميع يتحدث، وقليلون من يصغون. الجميع يريد أن يُثبت أنه على حق، وقليلون يبحثون عن الحقيقة. وبين هذا الضجيج يقف الطفل حائرًا، يلتقط ما يراه، لا ما يُقال له.
فالطفل لا يتربى بالمواعظ، بل بالمواقف. لا يحفظ القيم من الكلمات، بل من الطريقة التي يرى بها والديه يتعاملان مع الناس، ومن أسلوب معلميه، ومن أخلاق المجتمع الذي يعيش فيه. وما يراه يتكرر أمامه يصبح بالنسبة إليه أمرًا طبيعيًا، حتى وإن كان خطأ.
لذلك، حين نرى طفلًا عنيفًا، أو مراهقًا لا يحترم أحدًا، أو شابًا لا يعرف معنى المسؤولية، فلا يكفي أن نلومه. علينا أولًا أن نسأل أنفسنا: أي بيئة صنعت هذا السلوك؟ وأي قدوة كانت أمامه؟ وأي رسالة وصلته كل يوم دون أن ينتبه أحد؟
إن أخطر ما يواجه مجتمعاتنا اليوم ليس نقص التعليم، بل نقص الوعي. لأن الإنسان قد يحمل أعلى الشهادات، لكنه يجرح بكلمة، ويهدم أسرة بقرار، ويؤذي طفلًا بتصرف، ثم يظن أنه لم يخطئ.
وإذا أردنا مستقبلًا أفضل، فلن يبدأ الإصلاح من الطفل، بل من الكبير الذي يدرك أن كل كلمة يقولها، وكل تصرف يفعله، يكتب سطرًا جديدًا في شخصية طفل يراقبه بصمت.
فالوعي ليس رفاهية، وليس ثقافة تُحفظ في الكتب، بل مسؤولية تُمارس كل يوم. وحين يستعيد الكبار وعيهم، لن نحتاج إلى أن نسأل لماذا تغيّر الصغار… لأن الإجابة ستكون أمامنا بوضوح: الأطفال لا يصبحون نسخة مما نطلبه منهم، بل نسخة مما يرونه فينا..










