راندا الهادي تكتب: فَخُّ الراحة

صدق من قال : أن الحياة الدنيا دار تعب وابتلاء ، لا راحة في الدنيا فلا تبحث عنها ، ولكن إذا تناولنا مفهوم الراحة من زاوية مختلفة ؛ سنجد أن الراحة هي في الحقيقة أصل التعب .
تمهل قليلًا أيها القاريء ؛ فأنا لا أقصد ما تطرقنا إليه في الأسطر الأولى من المقال ، لكن أقصد أن سعى الإنسان الحثيث عبر دروب الحياة المختلفة لتيسير العيش على الأرض ليس إلا تمهيدًا لحياة مليئة بالمعاناة والألم على المستوى الجسدي والنفسي .
ولنقص هنا حكاية للتوضيح ، في الصين ، دخل أحد الشباب على جده في قريته فوجده يغسل ملابسه بيديه ، ويخيط ثوبه بالإبرة والخيط ، ويطحن الحبوب يدويًا ، فتألم الشاب من المجهود الذي يبذله جده وتعجب من رفضه لكل أشكال التقدم التكنولوچي ، والتي قطعًا ستسهل الحياة عليه ، فسأله لما كل هذا التعب يا جدي ؟!لماذا ترفض الراحة ؟ ، فكانت إجابة جده قاطعة بأن الراحة يا بني ستقتلني ، وأن التعب هو طوق نجاتي في هذه الحياة .
الجد كان يرى أن تعبه هو الذي حفظ له صحته النفسية والجسدية في هذا العمر المتقدم ، فقد وفّر عليه أيامًا طوال من الوحدة والفراغ التي كان سيشعر بها إذا توقف عن أداء مهام محددة ، ووفّر عليه زيارات عديدة للأطباء ومعامل الأشعة والتحاليل بسبب قلة حركته وضعف جسده ، كما وفّر عليه طرق أبواب القريب والغريب طلبًا للمساعدة واستجداءً للونس.
ألا ترى معي أن فلسفة الجد هي عين الصواب ، فهرولة الإنسان لكل ما يمنحه الراحة قتله شر قتلة ، حيث أصاب جسده -الذي خُلق للحركة والنشاط -بالخمول والانهيار البطيء فجعل الإنسان يطرق أبواب عيادات الأطباء في سن مبكر ، وقصف عمر صحته فهاجمته أمراض الشيخوخة في عمر الزهور ، ألا تجد معي أن الراحة تركت الإنسان ضحية التفكير المدمر والمشاعر السلبية والصدمات العاطفية ، فأينما وجد الفراغ كان الإنسان لقمة سائغة للأمراض النفسية والاكتئاب والانهيار العصبي .
إذن التعب هو طوق نجاة الإنسان ، لا تبحث في كل أمورك عن الراحة واعلم أن المجهود الذي تبذله هو سندك الوحيد عندما ينفضَّ الجميعُ من حولك ، فلا تحزن أبدًا لأنك لا تمتلك سيارة ، ففي السير على قدميك نجاة من أمراض القلب والدم ، ولا تتألمي لعدم شراء عجانة كهربائية ، ففي استيقاظك مبكرًا وعجن الخبز بيديك حماية من ترهل العضلات وتراكم الدهون وسعادة خفية لا توفرها العجانة .
وهكذا دواليك ، لا تكتئب لأنك لا تملك حياة قوامها الرفاهية تملؤها الراحة ، فغيرك الآن يعض أنامله بسبب تلك الراحة التي أوردته موارد الهلاك .










