حازم البهواشي يكتب : في فن الرد

مَن يَمتلكُ فَنَّ الرَّدّ لا بد أن يكونَ مُلِمًّا بقْدرٍ من الثقافةِ اللغوية ليس بالضرورة اللغة الفصحى، ولديه خبرةٌ بالحياة تُمكنه من سرعةِ الرد الذي يحوز الإعجاب، وتُنْتَقى فيه الكلمات، لذا فالقراءةُ مهمة والتركيز في مشاهدِ الحياة مهم، والاستماعُ مهم، وهو الأساسُ الذي يُبنى عليه فنُّ الرد.
قال المشتري للبائع: (الحاجة غالية)، فردَّ البائع: (الغالي للغالي)!!
وسخِرَ أحدُهم من شخصٍ طويل، فكان الرد: (لو كان الطويل معيوب ماكانوش اخترعوا للقُصَيَّر كعوب)!!
ولما عابوا قصيرًا، جاء الرد: (الطول لعود القصب، والقُصر لسبايك الدهب)!!
ومما نعرفه جميعًا في الرد على من يعيب الشكل: (أتعيبُ الصانعَ (الخالق سبحانه) أم المصنوع)؟!
ومن ينتقد فتاةً لعدم زواجها ويقول لها: (القَطر فاتِك)، فيكون الرد: (أحسن ما يدهسني)!!
ومن يقول: (عاوزينكم تآخوا البنات بولد)، أو يعيب شخصًا أن ذريته من البنات، يكون الرد: (إنهن المؤنساتُ الغاليات، وهُن حجابي من النار، وبعدين ربنا أنعم عليَّ بما أنعم به على سيدنا النبي، أفأكون لهذا كارهًا؟!)
ومن لم يُرزق ذرية، فليقل: (أراحني الله من عناءِ التربية في الدنيا، وسيُعوضني في الآخرة جزاءَ صبري، وبعدين ربنا قال: “الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا” (الكهف _ 46)، وما دامت (زينة) فهي ليست ضرورية، وإلا لأعطاها اللهُ للجميع!!
وهناك إجابات تأخذ الألباب، فالأعرابي الذي سأل (ابنَ عباس) _ رضي الله عنه _: (مَن يُحَاسِبُ النَّاس يومَ القيامة؟ فقال: يُحَاسِبُهم الله تعالى، فقال الأعرابي: نَجَوْنَا إذًا وربِّ الكعبة، فقيل: وكيف؟ قال: إنَّ الكريمَ لا يُدقِّقُ في الحساب)!!،
وسُئِل حكيم: ما أعظمُ الندامة؟! قال: أن تَقْدِرَ على المعروف فلا تصنعه حتى يفوت!! وسُئل: (هَلْ شَيْءٌ خَيْرٌ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؟ قَالَ: مُعْطِيهِمَا). كما سُئِل: أي شيء من أفعال العباد يُشبه أفعالَ الله؟ قال: الإحسانُ إلى الناس.
وسُئل حكيم: (مَن أفقرُ الناس؟ فأجاب: أكثرُهم كسبًا مِن حرام؛ لأنَّه استدان بالظلم ما لا بد له مِن ردِّه، وأنفدَ في اكتسابِه أيامَ عُمره، ومَنعه في حياته مِن حَقِّه، وكان خازنًا لغيره، واحتمل الدَّيْنَ على ظَهْرِه، وطُوْلِبَ به في حينِ فقرِه).
وقيل لحكيم: (ما بالُ الحسدة يَحزنون أبدًا؟ قال: لأنَّهم لا يحزنون لما يَنزلُ بهم مِن الشَّرِّ فقط، بل لما يَنالُ الناسَ مِن الخيرِ أيضًا)!!
وقد سُئل الإمامُ (علي بن أبي طالب _ رضي الله عنه _) عن الدنيا والآخرة، فقال: (هما كالمشرِقِ والمغرِب، بقدرِ ما تَقْرُبُ مِن أحدِهما تبعُدُ عن الآخر)!!
وقيل لحكيم: (ما بالُ تعظيمِك لمُعلمِك أشدُّ مِن تعظيمِكَ لأبيكَ؟ قال: لأنَّ أبي كان سببَ حياتي الفانية، ومُعلمي سببُ حَيَاتي الباقية)، وما أروعَ أن يكون الأبُ مُعلِّمًا!!
وفي اللغة هناك ما يُسَمَّى بالإجابة الحكيمة، من ذلك ما قاله الدكتور (محمد رجب النجار) أستاذ الأدب الشعبي والفلولكلور (12 أغسطس 1941م _ 12 فبراير 2005م) حين سُئل عام 1996م حول حصولِه على جائزة الدولة التشجيعية في مصر عن كتاب “التراث القصصي في الأدب العربي”، وهو مقيم في الكويت، إذ حسِبَه البعضُ كويتيًّا، لكنه أعلمَ السائلَ أنه مصري، ثم قال: (ومـع ذلـك، الجائزة لم تــُـعــْـط َ لشخص “محمد رجب النجار”، وإنما أُعطيتْ لكتاب “التراث القصصي في الأدب العربي”، والكتابُ ليس له وطن).
وأختم بذكاءِ الرئيس “محمد أنور السادات” ( 25 ديسمبر 1918م _ 6 أكتوبر 1981م ) في جلسةٍ مع “مناحم بيجين” ( 16 أغسطس 1913م _ 9 مارس 1992م ) رئيس وزراء (اللي مايتسموش) سابقًا، فقد سألت المذيعة السادات: هل ستدعو السيد بيجن إلى القاهرة؟
السادات: سنناقش هذا الأمر الليلة.
المذيعة لبيجين: في حال ذهابك للقاهرة، ما الموضوعات التي ستناقشونها؟
بيجين: أعتقد أننا سنناقش الأساسيات… ما في القدس الليلة وغدا … المباحثات صريحة وجدية لكل المشاكل العالقة، وإذا كان الرئيس جريئًا ليدعوني للقاهرة سنكمل المباحثات فيما بعد!!
ليقاطعه السادات قائلًا: جِدِّيًّا أنا أُخططُ أن أدعوَه إلى سيناء (كانت لا تزال بحوزة العدو)!!
فبُهِتَ الذي كفر (بيجين) وقال: شكرًا سيدي… ثم انتبَهَ، وقال: إلى أين؟!!… لمن؟!!!
فيرد السادات: سيناء)!!
واهمٌ أنت يا من تظن أن مصرَ هي الجائزةُ الكبرى لأحد!! مصرُ للمصريين، ومرحبًا فيها بأهلنا من العرب.









