راندا الهادي تكتب : مرايا النفس

كل علاقة تمر في حياتنا تترك بصمة في تكوين شخصيتنا وتكتب سطرا جديدا في ملف الذكريات .
هذا الأثر غير قابل للمحو أو التعديل ،فالنفس البشرية هي خلاصة تجارب تخوضها منذ ولادتها وحتى رحيلها ، لذا لا تندهش من أحدهم إذا احتوت نفسه القسوة والجفاء فقد تعرض لأضعاف ما أظهر ، ولا تلومن أحدهم على غيابه وعدم المبالاة ، لأن هناك من خذله وكسر بخاطره في أشد أوقات الحاجة للدعم ، ولا تهاجم من يتخذ موقف الشك ويطيل التفكير قبل اتخاذ القرار ؛ لأنه تعرض للعديد من مواقف الخذلان ، ولم يجد يومًا من يحبه لذاته .
وكما يقول علماء النفس الإنسان حصيلة تجاربه فعندما تعامل طفلًا بقسوة وشدة سيجد الرقة والحنان فخاً ، وعندما يتعود الإنسان على العبودية والتبعية سيرى الحرية نارًا تلظى .
يُحكى أن أحدهم كان يعتقد أنه يعرف نفسه جيداً ، وكان يظن أن طباعه، وأفكاره، وطريقة حديثه هي “هوية ثابتة” وُلد بها. وفي أحد الأيام، قرر أن يذهب إلى حكيم يسكن في كوخٍ بعيد، ليجيب على سؤاله: “من أنا؟”.
استقبله الحكيم، وقاده إلى غرفة دائرية تحتوي على سبع مرايا كبيرة، لكنها لم تكن مرايا عادية. قال له الحكيم: “انظر في هذه المرايا، وسأحكي لك قصتك”.
في المرآة الأولى: رأى الشاب صورة والديه وهما يعلمانه كيف يواجه الخوف. “هنا”، قال الحكيم، “بدأت شخصيتك تتشكل بناءً على الأمان أو القلق الذي زرعاه فيك”.
في الثانية: رأى وجوه أصدقاء الطفولة الذين خذلوه ذات مرة. “هنا”، أوضح الحكيم لصاحبنا أنه تعلم منهم كيف يختار من يثق به، ومن هنا وُلدت الحيطة والحذر في شخصيته”.
في الثالثة: رأى مقر عمله الأول، وكيف كان مديره قاسٍ معه، قال الحكيم: ” هنا تشكلت طريقتك في العمل، وأيضاً رغبتك في إثبات ذاتك أو انكسارك أمام السلطة”.
في الرابعة: رأى وجه معلمٍ كان يؤمن بموهبته رغم فشله. “هنا”، أشار الحكيم، إلى تعلمه كيف يؤمن بنفسك عندما لا يؤمن به أحد”.
في المرآة الخامسة: رأى خيبات عاطفية مؤلمة. “هنا”، قال الحكيم، “أصبحت شخصيتك أكثر نضجاً وأكثر انغلاقاً في آنٍ واحد”.
و في السادسة: رأى شخصاً غريباً ساعده في طريق مقطوع دون مقابل. “هنا”، أخبره الحكيم، “لقد تعلمت حينها معنى الإنسانية التي لم تكن تعرفها”.
أما المرآة السابعة فكانت فارغة؛ وتعجب صاحبنا ؛ فقال الحكيم: “هذه هي تجاربك القادمة، الناس الذين لم تقابلهم بعد، والأحداث التي لم تقع بعد.. هؤلاء هم من سيصقلون ما تبقى منك”، ثم التفت الحكيم إلى الشاب وقال: “أنت لست شخصاً واحداً ثابتاً يا بني، أنت ‘فسيفساء’ (لوحة مركبة). كل إنسان مرّ في حياتك ترك بصمة، وكل تجربة خضتها اقتطعت جزءاً من طيشك وأضافت حكمة، أو نزعت منك ثقة ووضعت مكانها شكاً. نحن في الحقيقة نتاج محادثاتنا، صدماتنا، نجاحاتنا، والأشخاص الذين أحببناهم أو جرحونا”.
لذا لا تلومن أحدًا على طبع تكرهه منه ، بل التمس له العذر ، و احرص على أن تكون بصمتك في حياته أطيب أثراً من غيرك ، فكما نؤجر على الابتسامة في وجه أحدهم، سنُجازى على جرحه وإيلامه .









