صفوت عباس يكتب : (الشرق الأوسط.. نقطة ومن أول الدفتر)

رغم أن الرأي العام في الشارع لا ينجز فعلاً حيال المشكلات التي تديرها مراكز صنع القرار السياسي، إلا أن الناس يشكّلون رأيهم الخاص ويتداولونه. وفي الغالب، يستند هذا الرأي إلى شيء من المنطق، ولو من وجهة نظرهم الخاصة
خاصه بعد ان اصبحت مراكز التحليل السياسي ووسائل الاعلام بلا مهنيه ففقدت مصداقيتها لدبهم، في فهم الناس في الشارع، بعيداً عن دوائر صنع القرار، فإن أغلب الثوابت التي شكّلت الوجه السياسي للمنطقة قبل الحرب العبثية الدائرة الآن بين إسرائيل وأمريكا ضد إيران، قد أصبحت مخلخلة، وتحتاج إلى إعادة بناء أو استبدال بعد ثبوت عدم جدواها.
تأثر العالم كله بخنق شريان إمداد الطاقة (مضيق هرمز)، فقفزت أسعار النفط تحت ضغط شح العرض الناتج عن تداعيات الحرب. ونتيجة لذلك، تأثرت بشكل كبير اقتصادات الدول المصدرة التي يمر نفطها عبر هرمز، وشكّل ذلك عبئاً على المستوردين، مما خلق تضخماً جديداً زاد من أنين المستهلكين. وربما هذا ما يدفع سكان العالم لمتابعة أخبار هذه الحرب، لا عن قناعة بأهميتها الجيوسياسية، ولا لأنها تشكل تهديداً للسلم في منطقة اعتادت الأزمات، بل بسبب معاناتهم الاقتصادية اليومية. فالعالم لا يهتم إلا بمصالحه. هذا غير أن المستوى الشعبي العالمي لا يملك تأثيراً حقيقياً يمكن أن ينهي الحرب، وكذلك المستوى الرسمي في ظل البلطجة التي تمارسها أمريكا لصالح إسرائيل.
رغم هشاشة اتفاقات الطرفين، فإن الحرب ستنتهي حتماً، ولن يصدق أي طرف يعلن انتصاره.
أول الثوابت التي خلخلتها الحرب:
الحماية المشتراة: فقد فشلت القواعد الأمريكية في المنطقة في توفير أي حماية حقيقية. لذلك يجزم الوعي الشعبي بضرورة التخلي عنها لصالح دفاع ذاتي أو إقليمي، وتوجيه ما يُنفق عليها من أموال (التي غالباً ما تكون شكلاً من أشكال الابتزاز) إلى بناء قوى محلية. فحتى لو أدت بأقل قدر، فستكون أكثر كفاءة بكثير من الصورة الصفرية التي ظهرت بها.
إيران غردت خارج السرب ولطمت منفردة في هذه الحرب، ولم يظهر أي فعل علني لحلفائها أو أصدقائها (روسيا والصين)، ولو على المستوى السياسي في مجلس الأمن. والبعض يتحدث عن دعم مخابراتي فقط.
الناس اليوم يتجاوزون يقينهم السابق إلى الشك الذي يفرض التساؤلات التالية:
هل ستتخلى إيران عن أدواتها التي كرّست عداء الجيران لها (المذهبية والعنصرية والتمدد في المنطقة العربية) التي أفضت إلى خراب ظاهر؟ وهل تستطيع التوافق مع جيرانها، وإخراجهم من قائمة العداء، لتتفرغ لعدوها الحقيقي أو لبناء دولة واقتصاد قوي، وتُقصي نوازع التوسع والمد الفارسي الشيعي؟ (الناس يشكّون في ذلك).
هل سيستطيع سكان الشرق الأوسط العرب التخلي عن وهم “الحماية الأمريكية”؟ وهل يتوفر حليف بديل (الصين أو روسيا)؟ وهذا أمر محل شك كبير، لأن براجماتيتهما أشد من الأمريكية. وهل سيلجأ العرب إلى وضع وفكر جديد يضمن لهم الأمن ذاتياً أو إقليمياً لمواجهة تحديات وجود دولة الاحتلال بينهم؟
هل ستترك أمريكا المنطقة تهنأ بالتخلي عنها (إن حدث) دون أن تعيث فيها فتنة ومؤامرات؟ ولديها من الأدوات ما يمكّنها من ذلك.
المنطقة تنتظر وضعاً رمادياً لن تتضح ملامحه للناس على الأقل في المدى القريب.










