راندا الهادي تكتب: حصة المكتبة

دوما يقول الكبار : ما أجمل الماضي من الأيام ! كان خيرها أغزر ، وناسها أطهر ، ومَعينُها أنقى ، ما ألطفها من أيام على قلوب العباد ! ، كانت الرحمة أَولى ، والجَبر للقلوب أقرب ، والوُد والبشاشة أرحب .
المحير أننا لا ندري ، هل العيب فينا أم في الأيام التي لا تتغير سيرتُها منذ بداية الخلق ؟ ، ليفصل هنا قولُ الإمام الشاعر (محمد بن إدريس الشافعي ) رحمة الله عليه :
نَعيبُ زماننا والعيبُ فينا … ومالزماننِا عيبٌ سوانا
ونهجو ذا الزمانِ بغير علمٍ … ولو نطق الزمانُ لنا هجانا
حقًا العيب فينا ، فنحن المتغير في هذا الكون ، ولأحكي لكم هنا قصة من طفولتي قد تتشابه في أجزائها مع ذكريات أحدكم ، عندما كنت في المدرسة الإبتدائية والتي تحمل اسم الشيخ الزعيم ( عمر مكرم) كانت أقربُ الحصص إلى قلبي وقلوب زملائنا ( حصة المكتبة) ، حيث كنا ننتظرها بفارغ الصبر ، حتى نستمتع بقراءة أمينة المكتبة ( الأبلة حسنات ) لنا القصص المشوقة والحكايات الخيالية ، خاصة إصدارات المكتبة الخضراء ، وسلاسل قصص الأنبياء للأطفال ،والتي مازالت أغلفتها المميزة منقوشة على صفحة الذاكرة حتى يومنا هذا ، وعندما تطورت مهاراتنا في القراءة ، بدأت تمنحنا الأبلة حسنات الفرصة لنَقُصّ على زملائنا بعض الأسطر من قصة اليوم ، ويا لسعادته وهنائه من يقع عليه الاختيار ليقرأ ، ويالتعاسته من يتعثر في القراءة أمام أبلة حسنات لما يلقاه من لوم وعتاب ؛ فيحرص بعدها على تحسين مستواه ليكسب ودها .
وكما كنا في حصص المهارات أي ( الزراعة و النجارة) نذهب إلى مشتل المدرسة للزراعة وللتعرف على النباتات المختلفة ، أو إلى ورشة النجارة بالمدرسة لصنع مجسمات خشبية بأيدينا ، كنا نذهب إلى مكتبة المدرسة في حصة القراءة الحرة لاختيار ما يروق لنا من كتب على أرفف المكتبة ولكن بشرط ، الالتزام باشتراطات الجلوس في المكتبة والتي كانت تعيدها علينا أبلة حسنات في كل مرة قبل دخول المكتبة بلا زيادة ولا نقصان .
بعد العودة من هذه الجولة في الماضي ، أحببت يومًا أن اسأل ابنتي الكبرى عن حصة المكتبة خاصة وأنها من محبي القراءة ، وهل كانت تجد الكتب التي تستهويها بين الأرفف ، فكانت إجابتها صادمة وهي أنه لا توجد أصلًا حصة للمكتبة ، وعندما كانت في مرحلة أبكر كانوا يذهبون للمكتبة ولكن لمشاهدة أفلام أنيميشن ( كرتون) فقط ، ملحوظة ابنتي الآن في الصف الأول الثانوي .
يا سيادة الوزير أين حصص المكتبة خلال الأسبوع الدراسي ؟ ، تلك الحصص التي غرست في النفوس حب اللغة العربية وعشق حكاياها ، تلك الحصص التي كانت فسحتنا من روتين الدراسة والاستذكار ، تلك الحصص التي ساعدت – بشكل لاشعوري – في تنمية مهارات البحث عندنا وإثراء الخيال .
أتمنى عودتها ، فقد آلمنا عدم قدرة شبابنا على القراءة السليمة للغة العربية ، بل والكتابة أيضا .










