مقالات الرأى

بين التقشف والمليارات: مفارقة تطرح أسئلة صعبة

في الوقت الذي تُطالب فيه الدولة المواطنين بترشيد استهلاك الكهرباء والمواد البترولية، وتدعوهم لتحمل تبعات أزمة اقتصادية واضحة، تتجه في المقابل إلى إطلاق مشروعات ضخمة بتكلفة مليارية، وهو ما يفتح باب التساؤلات حول طبيعة الأولويات وإدارة الموارد في هذه المرحلة الحساسة.

مؤخرًا، أعلن وزير النقل كامل الوزير عن إعادة تنفيذ 20 طريقًا ضمن خطة ترشيد استهلاك المواد البترولية. الرسالة كانت مباشرة: هناك ضغط على الموارد، ويجب التعامل معه بحذر. هذه الدعوة تأتي متسقة مع قرارات أخرى شهدتها الفترة الأخيرة، مثل تخفيف الأحمال الكهربائية أو تأجيل بعض المشروعات، في محاولة للسيطرة على الأزمة.

لكن على الجانب الآخر، يجري الحديث عن مشروع عقاري ضخم تصل تكلفته إلى نحو 27 مليار دولار. وهنا تبرز المفارقة بوضوح: كيف يمكن التوفيق بين خطاب التقشف من جهة، والانخراط في استثمارات بهذا الحجم من جهة أخرى؟

الطرح الرسمي عادة ما يميز بين الإنفاق الحكومي المباشر وبين استثمارات القطاع الخاص. غير أن هذا التمييز لا يبدو حاسمًا في نظر كثيرين، خاصة عندما يكون تمويل هذه المشروعات معتمدًا بدرجة كبيرة على قروض من البنوك المحلية، التي تعتمد بدورها على ودائع المواطنين. كما أن دخول بنوك حكومية كشركاء في هذه المشروعات يعزز من هذا التساؤل، ويجعل الحدود بين “العام” و”الخاص” أقل وضوحًا.

بعيدًا عن الجدل المالي، هناك جانب آخر لا يقل أهمية، يتعلق بتأثير هذه المشروعات على استهلاك الموارد. فالمدن الجديدة، بطبيعتها، تحتاج إلى بنية تحتية متكاملة من طرق وكهرباء ووقود. وهو ما يعني زيادة الضغط على نفس الموارد التي يُطلب من المواطنين ترشيد استخدامها.

هذه المفارقة لا تعني بالضرورة خطأً في التوجه، لكنها تفرض حاجة ملحّة لشرح أعمق وشفافية أكبر. فالمواطن الذي يُطلب منه تقليل استهلاكه، من حقه أن يفهم كيف تُدار الموارد على المستوى الكلي، ولماذا يتم إيقاف بعض المشروعات بينما يتم إطلاق أخرى أكثر تكلفة.

في النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل هناك أزمة أم لا؟
بل: كيف تُدار هذه الأزمة؟
وما هي المعايير التي تحدد متى نتقشف… ومتى نستثمر؟

زر الذهاب إلى الأعلى