راندا الهادي تكتب: كيف تُعطل دِمَاغَك ؟!

تعودنا في عصر ال AI على سؤاله في كل صغيرة وكبيرة بالحياة ، ماذا أفعل في مشكلة ما ؟ ، هذه الأعراض علام تدل ؟!، ابني عصبي كيف أتعامل ؟! ، طريقة طهي الأكلة الفلانية ؟! ، كيف أجعل الرجل يقع في حبي ؟! ، شخصيتي ضعيفة ماذا أفعل ؟! ، أريد فتح هاتف زوجي بدون علمه ؟! ودواليك ؛ يفيض سيل الأسئلة طوال الأربع والعشرين ساعة .
وكنوع من التقليد اخترت عنوان المقال ولكن هذه المرة السؤال لن أطرحه على آليات الذكاء الاصطناعي ، بل سأطرحه وأنا على دراية كاملة بالإجابة ، لأني أطلعت عليها في نتاج اثنتين من الدراسات العلمية في دولتين مختلفتين .
السؤال هو : كيف تعطل دماغك وتصيبه بالشلل التام ؟ والإجابة هي : بالتوقف عن الكتابة .
نعم بالتوقف عن الكتابة بخط اليد ، حيث قضت عالمة أعصاب نرويجية عشرين عامًا في إثبات أن عملية الكتابة باليد تغيّر الدماغ البشري بطرق لا تستطيع الكتابة على لوحة المفاتيح تحقيقها جسديًا .
الباحثة هي ( أودري فان دير مير) التي تدير مختبرًا لأبحاث الدماغ في تروندهيم بالنرويج ، والتي كشفت في ورقتها البحثية المنشورة عام 2024 في مجلة تُدعى (Frontiers in Psychology)حقيقة قاسية بما يكفي لتغيير كل فصلٍ دراسي على وجه الأرض.
أجرت (مير ) تجربةً بسيطةً ، حيث جمعت 36 طالبًا جامعيًا ، ووضعت لكل واحدٍ غطاء رأسٍ يحتوي على 256 مستشعرًا مضغوطًا لتسجيل نشاط الدماغ ، ثم عرضت على الشاشة كلمات متتالية واحدة تلو الأخرى.ِ
أحيانًا كتب الطلاب الكلمة باليد على شاشة لمس باستخدام قلم رقمي، وأحيانًا كتبوا نفس الكلمة على لوحة مفاتيح ، وتم تسجيل كل استجابة عصبية لمدة خمس ثواني كاملة وهي مدة بقاء الكلمة على الشاشة.
بعد ذلك نظر فريقها إلى البيانات التي تجاهلها معظم الباحثين لسنوات، وهو كيفية تواصل أجزاء مختلفة من الدماغ مع بعضها البعض أثناء الكتابة ، فوجدوا أن الطلاب عندما كتبوا باليد، أضاء الدماغ في كل مكانٍ دفعة واحدة، وكأن المناطق المسؤولة عن الذاكرة والتكامل الحسي وترميز المعلومات الجديدة كلها تطلق إشاراتها معًا في نمط منسق ينتشر عبر القشرة الدماغية بأكملها، فكانت الدماغ بأكملها مستيقظة ومتصلة.
وعندما كتب نفس الطلاب نفس الكلمة على لوحة المفاتيح، انهار هذا النمط تمامًا، وأصبح معظم الدماغ هادئ، كما اختفت الروابط بين المناطق التي كانت حية قبل ثواني .
إذن نفس الكلمة، نفس الدماغ، نفس الشخص، وحدثان عصبيان مختلفان تمامًا ؛ بما أثبت أن الكتابة باليد ليست حركة واحدة بل سلسلة من آلاف الحركات الدقيقة الصغيرة المنسقة مع عينيك ، أصابعك ، معصمك، والأجزاء من دماغك التي تتبع حركة اليد، كلُها تعمل معًا لإنتاج حرفٍ واحد، ثم التالي، ثم التالي.
أما الكتابة على لوحة المفاتيح ترمي كل ذلك بعيدًا ، لأن كل مفتاح على لوحة المفاتيح يتطلب نفس حركة الإصبع بالضبط ، بغض النظر عن الحرف الذي تضغط عليه، مما يعني أن الدماغ ليس لديه شيء تقريبًا لدمجه ولا مشكلة لحلها ، وهنا الدماغ في حالة شلل تام .
الغريب أنه قبل هذه الدراسة بعقدٍ من الزمان ، أجرى باحثان في برينستون البريطانية نفس الدراسة باستخدام طريقة مختلفة تمامًا وانتهيا إلى نفس الإجابة ، حيث اختبر( بام مولر ودانيال أوبنهايمر ) 327 طالبًا عبر ثلاث تجارب، تم خلالهم تدوين نصف الطلاب ملاحظات على أجهزة كمبيوتر محمولة ، وتدوين النصف الآخر ملاحظات باليد، ثم اختبار الجميع على ما فهموه فعليًا من المحاضرات التي شاهدوها.
ليجد الباحثان أن مجموعة الكتابة اليدوية تفوقت بفارق كبير في كل سؤال يتطلب فهمًا حقيقيًا بدلاً من الاستذكار السطحي على طلاب الأجهزة المحمولة .
دراستان من بلدين مختلفين توصلا إلى نتيجة واحدة وهي أن الكتابة اليدوية تجعل الدماغ يعمل ، أما الكتابة على لوحة المفاتيح تسمح له بالانزلاق في سُبات تام أشبه بالشلل .
هل عرفتم كيف تصيبوا أدمغتكم وأدمغة أبنائكم بالعطل والعطب ، اعتمدوا الكتابة على لوحة مفاتيح الهاتف والأجهزة اللوحية ، واتركوا القلم والورق جانبًا ، ولكن لا تنسوا وأنتم تتركوه أن تُأمِّنُوا بجواره مساحةً كافيةً لأدمغتكم وخيالكم وأحلامكم البراقة في مستقبل أفضل للإنسانية .










