مقالات الرأى

راندا الهادي تكتب: تعادل إيجابي

في مباريات كرة القدم كانت تثيرني عبارة (تعادل إيجابي) لأنها غير حاسمة ، فمن أين جاءت الإيجابية ؟!! ، حتى أطل علينا القرن الحالي والذي يعد بلا منازع قرن التعادل الإيجابي .

ففي حروب القرون الماضية كان هناك خريطة واضحة لتحقيق الانتصارات ، سواء بالاستيلاء على أراض كانت محل نزاع ، أو السيطرة على ثروات طبيعية ومنافذ لوچستية مهمة ، أو إعلان طرف الاستسلام والانسحاب من القتال . الأمور كانت واضحة لا مجال للمزايدات من طرف على الآخر .

لكن في حروب القرن الحادي والعشرين تغيرت المعادلات ، أمسى الجميع يخرج من الحرب منتصرًا ، بل ويجتهد مع آلته الإعلامية في حشد الحجج والبراهين على هذا الانتصار ، كان ذلك واضحًا في العديد من حروب هذا القرن ، ومنها على سبيل المثال : حرب سورية، وحرب غزة، وحرب لبنان التي لا تنتهي .

لم يثر هذا التغير الملحوظ في توصيف الانتصار المتلقي العادي فقط بل أثار حفيظة الأوساط العلمية والأكاديمية لإيجاد تحليل منطقي لهذا الواقع ، وهنا بدأ التساؤل : هل السبب في أساليب الحرب التي أضحت غير حاسمة أم امتلاك الخصم أدوات تحرم المنتصر قطف ثمار حربه؟ أم هل توسعت مدارك الناس في ما يتعلق بفهم دوافع الحروب ومتابعة مجرياتها، عبر فيض المعلومات، ما جعلها أكثر قدرة على تقييم نتائجها؟.

وهناك تحليل آخر يقول بسيادة نظرية الانتصار النسبي ، حيث إن غياب النصر الحاسم جعل كل طرف من أطراف الصراع يعتبر تحقيق بعض أهدافه بمثابة انتصار نسبي يجعله خارج دائرة الهزيمة .

ولعل ما رأيناه مع إعلان هدنة الأسبوعين في الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران يعد دليلًا واضحًا على هذه النظرية ،فمن وجهة نظر المحللين السياسيين مثّل صمود إيران أمام الضربات الأمريكإسرائيلية وتهديداتها انتصارًا مدويًا خاصة مع ضرباتها الموجعة للكيان الصهيوني ، وقبل هذا وذاك إغلاقها التام لمضيق هرمز والذي كان ورقتها الرابحة بلا جدال ، أما في المعسكر المقابل نجد الجانب الأمريكي يعلن انتصاره منذ بداية الاشتباك ، حيث كان ترامب يخرج يوميًا على العالم ليؤكد أن أسطول إيران البحري كأن لم يكن ، وأن الجيش الأمريكي محى منظومتها للدفاع الجوي ، وأصبحت سماءها بلون العلم الأمريكي .

إذن من المنتصر ؟!! لا إجابة حاسمة ، لأن الكل من وجهة نظره منتصر ، حتى لو خرج من الحرب غير محطم الإرادة فهذا انتصاره ، لذا علينا التعامل بشكل مختلف مع نتائج الصراعات والحروب ، ولنقبل باختفاء الراية البيضاء من قاموس الصراعات حتى حين .

زر الذهاب إلى الأعلى