مقالات الرأى

إميل أمين يكتب: ملامح تفكك ركائز السلام الأميركي

0:00

تحتاج قراءة إستراتيجية الأمن القومي الأخيرة، وتقاطعاتها مع فكرة إضمحلال زمن السلام الأميركي ، إلى رؤية نقدية معمقة قائمة بذاتها، لكن وبإختصار غير مخل يمكن القطع أنها توجه ضربات عميقة لركائز السلام الأميركي التقليدي والمتعارف عليه خلال العقود الثمانية المنصرمة، وفي مقدمه : المصداقية العسكرية، والإنفتاح الإقتصادي ، والقيم الديمقراطية ، والدعم المطلق للحلفاء، ومفارقة روح الإنعزالية .
هذه جميعها، والعهدة على البروفيسور ماركو أوفر هاوس، زميل سالزبورغ العالمي، تتوافر وبكثرة فيما قدمه ترمب للعالم ، ما يعزز القول بأن تزايد عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الولايات المتحدة وتحولات القوى العالمية ، كلها أمور تقوض دور أميركا كضامن أمني موثوق به لأوروبا خاصة ، ولأي حليف أخر حول العالم عامة .
في مؤلفه ” الأخ الأكبر رحل : أوروبا ونهاية السلام الأميركي “، المنشور عبر دار فرانكفورتر الجماينه بوخ باللغة الالمانية في إبريل 2025، يقول ماركو أوفرهاوس:” إن السلام الأميركي لا يقوم على القوة العسكرية والإقتصادية فحسب، بل على ممارسة محددة للقوة الأميركية تسهم في الأمن الدولي. قوة عسكرية متاصلة في هياكل التحالفات ، مدعومة بإنفتاح إقتصادي وقيم ليبرالية ديمقراطية . وقد شكل هذا الفهم للقوة الأميركية أساس حلف الناتو.
وبحسب أوفرهاوس، تتآكل أركان ” السلام الأميركي ” الثلاثة، العسكرية والإقتصادية والمعيارية ، منذ سنوات ، ربما ربما منذ عقود ، أما في ظل إدارة ترمب الثانية ، فقد تنهار هذه الأركان نهائيا.
وبشيئ من التحليل المعمق، فإنه على صعيد القيادة العسكرية ، تراجعت مصداقية الضمانات الأميركية ضمن منظومة تحالفاتها الواسعة. أحد أسباب ذلك يكمن في السياسة الداخلية الأميركية ، حيث جعل الإستقطاب السياسي الحاد بين الديمقراطيين والجمهوريين من واشنطن شريكا أكثر صعوبة وغموضا . كما أن نهج الرئيس ترمب النفعي في التحالفات قد زاد من تآكل مصداقية أميركا الدولية . سبب آخر يكمن في تحولات موازين القوى الدولية ، ولا سيما تعزيز الصين لقدراتها العسكرية . مع ذلك ، وجدت دول أخرى ، مثل روسيا وكوريا الشمالية ، سبلا لتقويض مصداقية القوة العسكرية الأميركية .
ماذا عن البعد المالي والإقتصادي ؟
من الناحية الإقتصادية، أستند مفهوم ” السلام الأميركي ” إلى فكرة أن إنفتاح أميركا الإقتصادي كان ضروريا ، ليس فقط لإستقرار النظام الإقتصادي الدولي، بل لتعزيز السلام أيضا . بعد عام 1945 ، تراجعت النزعات والسياسات الحمائية في الولايات المتحدة ، ونُسب الفضل إلى واشنطن في تعزيز التجارة الحرة . ورغم أن الحمائية لم تغب تماما ، وأن القيادة الإقتصادية الأميركية تراجعت في سبعينات القرن الماضي ، مع إنهيار نظام بريتون وودز، إلا أن النموذج السائد في واشنطن ظل قائما على أن الإنفتاح على السلع وراس المال والتكنولوجيا والعمالة مفيد للجميع . مع ذلك ، مثلت إدارة ترمب الأولى ( 2017- 2021) نقطة تحول ، إذ بات يُنظر إلى الإنفتاح الإقتصادي بشكل متزايد على أنه عبء وخطر على الأمن ال قومي . ومن ذلك الحين أصبح هذا النموذج الجيوإقتصادي ، مهيمنا في عهد إدارتي بايدن وترمب الثانية .
هنا يطفو التساؤل :” إذا كانت العلاقات الأميركية الأوروبية التي مثلت العمود الفقري لإستراتيجية السلام الأميركي، تأفل رويا رويدا، إلى أن تضمحل ، فما الذي يتبقى من زمن السلام الأميركي ؟
يجمع الكثير من المراقبين على أن إنشاء قيادة نصف الكرة الغربي للجيش الأميركي، أي عملية دمج قيادتي الجيش الشمالية والجنوبية ، وهي عملية أعادة تنظيم أوسع نطاقا يجريها البنتاغون في عهد الرئيس ترمب ، هي إشارة مؤكدة تفيد بحالة من الإنسحاب القتالي من الكثير من الميادين حول العالم، أي تأكيد فكرة نهاية السلام الأميركي ، والذي تميز بإستقرار نسبي في العلاقات الدولية ، وتوسع التجارة العالمية، وإزدهار غير مسبوق وغياب صراع القوى العظمى .
من هنا يطفو على سطح الأحداث التساؤل الجوهري التالي :” ما هي السيناريوهات المتوقعة، حال غياب شرطي العالم ودركه ؟
يقول الراوي، إنه مع وجود الولايات المتحدة وهيمنتها كان البعض يئن من غطرسة قوتها، وإمبريالية توجهاتها، لا سيما العسكرية .
لكن على الجانب الأخر ، يبدو العالم من غير الحضور الأميركي ، معرضا للكثير من فقدان التوازن،وربما نشوء وإرتقاء صراعات كان وجود واشنطن القوي يقطع الطريق عليها .
على سبيل المثال، تشير المطالب الأخيرة للرئيس ترمب ، كمحاولة شراء غرينلاند من الدنمارك رغما عنها، والتهديد بفرض تعريفات جمركية عقابية على الحلفاء والجيران ، وإجبار أوكرانيا على التخلي عن ثرواتها المعدنية مقابل إستمرار الدعم الأميركي ، إلى تحول جذري ، فيه تتخلى أميركا عن دورها كقائدة للنظام لصالح أن تصبح مجرد قوة عظمى أخرى تسعى لتحقيق مصالحها الذاتية .

زر الذهاب إلى الأعلى