مقالات الرأى

د.داليا البيلي تكتب من كاتدرائية مار مرقس بالكويت… عيد الميلاد رسالة محبة وسلام بين الكويت ومصر

0:00

كما اعتدنا في كل عام، كان لي شرف تلبية الدعوة الكريمة من الأب الغالي القمص بيجول الأنبا بيشوي، راعي كاتدرائية مار مرقس للأقباط الأرثوذكس بدولة الكويت، للمشاركة في قداس عيد الميلاد المجيد.
دعوة لم تكن مجرد حضور بروتوكولي لمناسبة دينية، بل تجربة إنسانية وروحية مكتملة الأركان، عكست بصدق عمق القيم المشتركة بين أبناء المجتمع، وجسّدت روح التعايش والتسامح التي تميّز دولة الكويت، وتربطها بروابط تاريخية وإنسانية راسخة مع مصر.

منذ اللحظات الأولى لدخول الكاتدرائية، كان المشهد لافتًا في رمزيته: تراتيل الميلاد تعلو في أرجاء المكان، وحضور رسمي ودبلوماسي ومجتمعي رفيع، وحشد كبير من أبناء الكنيسة والجاليات المقيمة، في لوحة إنسانية نادرة تعكس كيف تتحوّل الأعياد الدينية في الكويت إلى فضاء جامع للمحبة والسلام. وقد زادت القاعة بهجة بتزيّنها بباقات ورد مضيئة حملت أسماء أصحاب السمو والمعالي والسعادة من قيادات الدولة، وأعضاء السلك الدبلوماسي، وشخصيات عامة ومجتمعية، في تعبير راقٍ عن المشاركة الوجدانية والتلاقي الإنساني.

هذا المشهد لم يكن استثنائيًا، بل بات سمة راسخة في كويت التسامح والسلام؛ حيث يُقدَّم نموذج حضاري متقدّم للتعايش وقبول الآخر، ويُبعث برسالة واضحة مفادها أن القيم الإنسانية الجامعة قادرة على بناء مجتمعات آمنة ومتآلفة، مهما تنوّعت الخلفيات الدينية أو الثقافية.

في كلمته، نقل راعي الكاتدرائية تهاني قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا وبطريرك الكرازة المرقسية، وتهاني نيافة الأنبا أنطونيوس، مطران القدس والكويت والشرق الأدنى، معربًا عن أمنياتهما بأن يعمّ السلام والتنمية والرخاء ربوع البشرية كافة، وأن تتجدد في القلوب معاني المحبة والرجاء. كلمات جاءت صادقة وبسيطة، لكنها عميقة الدلالة في زمن يفتقر فيه العالم إلى خطاب السلام.

وخلال القداس، توقّف القمص بيجول الأنبا بيشوي عند التحية المستحقة لقيادة دولة الكويت السياسية، معربًا عن خالص تمنياته للكويت بمزيد من التقدم والازدهار.
وقد ثمّن الرعاية السامية لحضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، حفظه الله ورعاه، لقيم التآخي والسلام، واصفًا سموه برجل الحكمة والتنمية وراعٍ للتسامح، ومهنئًا إياه بمرور عامين على توليه مقاليد الحكم، ومؤكدًا أن الكويت تشهد في عهده مرحلة جديدة من النمو والنهضة. كما وجّه التحية إلى سمو ولي العهد الشيخ صباح الخالد الصباح، وإلى الحكومة الكويتية برئاسة سمو الشيخ أحمد العبدالله، متمنيًا لهم دوام التوفيق في خدمة الوطن والمقيمين على أرضه.

وفي رسالة تقدير لمصر، عبّر راعي الكاتدرائية عن شكره لفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي على كلمته المهنئة للمسيحيين بالخارج، وما تحمله من مشاعر وطنية جامعة، متمنيًا لمصر وشعبها الاستقرار والسلام. كما شكر كل من شارك بتهنئته من قيادات رسمية، وبعثات دبلوماسية، وشخصيات أكاديمية والكوادر طبية ودينية ومجتمعية، في تأكيد جديد على عمق الروابط بين أبناء الوطن الواحد داخل مصر وخارجها.

أما العظة، التي جاءت بعنوان «السلام والطمأنينة»، فقد شكّلت جوهر الرسالة الروحية للمناسبة. إذ شدّد القمص بيجول الأنبا بيشوي على أن السلام الحقيقي يبدأ من الداخل، من علاقة الإنسان بربه، وأن السلام العميق لا تزعزعه الأزمات ولا تقوى عليه المخاوف.
وأكد أن فقدان السلام هو نتيجة طبيعية للابتعاد عن القيم الروحية والانغماس في القلق، بينما يعيد الإيمان والالتزام الأخلاقي للإنسان طمأنينته واتزانه.
كما وسّع دائرة السلام لتشمل العلاقة مع الآخرين، مؤكدًا أن الإنسانية تجمعنا رغم الاختلاف، وأن المحبة والتسامح قادران على تجاوز كل الخلافات، داعيًا الجميع إلى أن يكونوا صانعي سلام في مجتمعاتهم.

ولم تغب التحية والتقدير لرجالات وزارة الداخلية، الذين كان لهم دور واضح في تأمين وتنظيم الاحتفالات، ولا للإعلاميين الذين نقلوا هذه المناسبة بروح مهنية ومسؤولية عالية، ما يعكس تكامل الأدوار بين المؤسسات الرسمية والمجتمعية في إنجاح مثل هذه الفعاليات.

وفي ختام هذه التجربة الإنسانية الراقية، أجدني أوجّه تهنئة خالصة من القلب إلى أقباط مصر في الداخل والخارج بمناسبة عيد الميلاد المجيد، متمنيًا لهم دوام الفرح والرجاء. لقد أكّد هذا الحدث، بكل تفاصيله، أن الكويت ومصر تقدّمان معًا نموذجًا حيًا لكيف يمكن للأعياد الدينية أن تتحوّل إلى منصات إنسانية جامعة، تُرسّخ ثقافة السلام، وتعمّق جسور المحبة، وتعيد التذكير بأن التعايش ليس شعارًا، بل ممارسة يومية، وقيمة أصيلة، ورسالة حضارية نحتاجها اليوم أكثر من أي وقت مضى.

زر الذهاب إلى الأعلى