
ما إن أعلن الأسبوع الماضي عن رحيل أستاذ الفلسفة بجامعة عين شمس، الدكتور مراد وهبة، عن عمر تجاوز تسعة وتسعين عاماً، حتى تفجرت موجة واسعة من الجدل ما بين متشيع له باعتباره أحد دعاة العقل والتنوير ومحاربة الخرافة، حتى وإن كان يعد الدين من الخرافة، وبين مهاجمين ومنتقدين للرجل وفكره وما كان يسعى إليه في الثقافة العربية.
وكالة أنباء الشرق الأوسط كتبت في رحيله تقول: فقدت الساحة الثقافية والفلسفية المصرية والعربية أحد أبرز رموزها الفكرية، بعد مسيرة فكرية وأكاديمية امتدت لما يقرب من ثمانية عقود، شكل خلالها علامة فارقة في الدفاع عن العقلانية والحوار والتنوير، و يعد وهبة أحد أبرز دعاة الفكر التنويري والعقل النقدي في العالم العربي، وقد ارتبط اسمه بمشروع فكري متكامل يدعو إلى إعمال العقل ونبذ الأصولية ومواجهة التطرف الفكري والديني، وكرس جانبا كبيرا من جهده لإحياء فلسفة ابن رشد، معتبرا إياها جسرا للحوار بين الشرق والغرب وأداة لفهم العلاقة بين العقل والنص.
أما المؤرخ والكاتب محمد الشافعي فقال في رحيل وهبة: عقل يتجلّى، ينثر نجوم الأفكار على دروب العتمة، وقلب زاهد يتكئ على عصا الحكمة، ونفس لا تشبع من المعرفة، وروح شفافة حملت هم الاستنارة في زمن التباس الأسئلة. هكذا بدا الدكتور مراد وهبة راهبا في محراب الفلسفة يحمل مصباح الحقيقة، ويبحث عنها كما فعل الفيلسوف الإغريقي ديوجين وهو يجوب الطرقات نهارًا بحثًا عن الإنسان الصادق. لم يكن مراد وهبة فيلسوفا أكاديميا تقليديا، ولا باحثًا منغلقا في برج عاجي، بل عقلا حرًا اختار أن يعيش في خيمة الفلسفة، أم المعارف وسيدة الأسئلة فراح ينسج الأواصر بين الفكر والحياة، وبين العقل والمجتمع. دون أن يساوم على قناعاته أو يتاجر بأفكاره.
أما أقسى منتقديه فكانت تلميذته الدكتورة يمنى الخولي حفيدة المفكر والأديب أمين الخولي فقالت: مات مراد وهبة …
خالص عزائي للصهيونية العالمية. فقد آمن بالصهيونية كما لم يؤمن بها مخلوق من قبل ولا من بعد. يصعب أن نقول: الله يرحمه، لأنه لا يستحق الرحمة مادام لم يرحم مئات الألوف من ضحايا غزة، فلم يغير موقفه قيد أنملة، ظلت إسرائيل في ناظريه فوق الحساب… مثلاً أعلى يحتذى في يسارها. وفي يمينها. هو الذي منحني درجة أستاذ مساعد، أعطاني الدرجات العليا في كل الأبحاث، وقال في تقريره ما لم يُقال في مدح بحوث من قبل.. ومع هذا يظل طيفه صاعقا لي…. لأنه ملكي أكثر من الملك نفسه .. صهيوني أكثر من الصهاينة أنفسهم.
وفي المسار نفسه كتب الدكتور محمود حلمي القاعود يقول مات مراد وهبة بعد صراع مع الإسلام، وخرج تلاميذه ودراويشه من الكارهين للإسلام يلطمون الخدود.. مضيفاً جميع آراء وهبة كراهية مقنعة باسم التنوير.. من الناحية الفكرية، اعتمد وهبة على نقد ما أسماها الأصولية الإسلامية كعائق أمام التقدم. فهو يطالب بالعلمانية كشرط للديمقراطية.. ومع ذلك، يتجاوز نقده الأصولية إلى هجوم عام على الدين الإسلامي، معتبرًا أنه يعيق التحديث.. وهذا النهج يفتقر إلى الدقة العلمية، إذ يتجاهل الدراسات التاريخية التي تثبت أن الإسلام أنتج حضارة علمية متقدمة في العصور الوسطى، كما في عصر ابن رشد نفسه. ومن سخرية القدر أنَّ وهبة، الذي يدعي حب ابن رشد، يستخدم تراثه لمهاجمة الإسلام، كأنه يستعير سيفًا إسلاميًا ليطعن به الإسلام نفسه.. وهو جهل منهجي يعكس عدم فهم لدور ابن رشد في دمج الفلسفة اليونانية مع الشريعة.
أتصور أن مراد وهبة أفضى إلى ما قدم، وهو بين يدي خالقه، أياً كان دينه أو معتقده، وخالقه وحده هو العالم بسرائره ومقاصده، ولنا كبشر مواقفه وما أنتجه، والشعوب قادرة على الفرز، والعقول الواعية في كل مجتمع قادرة على الإدراك، وبشكل عام لدى ثقافتنا حساسية ومناعة ضد من يقترب من دينها أو محاولة تبرير التطبيع، ويبقى ما أنتجه مراد وهبه كلام بشر يخضع للنقد والقراءة والتحليل ويؤخذ منه ويرد، دون مساس بشخص هو بين يدي خالقه يفعل فيه ما يشاء. “فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءًۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ”










