مقالات الرأى

سيرة المهدي بن عبود ( الحلقة الاولى )

بقلم: د. محمد بشاري

0:00

لم يكن ميلاد المهدي بن عبود بمدينة سلا سنة 1919 حدثاً عائلياً عادياً، بل جاء في سياقٍ تاريخي كانت فيه المدينة إحدى خزّانات الوعي الديني والوطني بالمغرب. في بيتٍ متديّنٍ محافظ، تشكّلت شخصيته الأولى على قيمٍ سبقت المدرسة: الانضباط الأخلاقي، احترام العلم، والإحساس المبكّر بالانتماء إلى وطنٍ مُثقل بالاستعمار ومشحون بأسئلة التحرّر. وحين فقد والده في سنّ مبكرة، لم يتحوّل اليُتم إلى عائق، بل صار دافعاً؛ إذ تولّت الأم وأخوه الأكبر زين العابدين رعايته تربيةً وتعليماً، فكان البيت مدرسةً موازية، تُلقّن قبل الدروس معنى المسؤولية والاعتماد على النفس.

في مساره الدراسي، لم يُعرف عن بن عبود أنّه كان مجرّد تلميذٍ متفوّق، بل قارئاً نهِماً، يمزج بين المقرّرات الرسمية وكتب التراث والفلسفة والتاريخ. تعلّم العربية بوصفها لغة الهوية والمعنى، وأتقن الفرنسية في سياقٍ استعماري فرضها أداةَ إدارةٍ ومعرفة، ثم انفتح على الإنجليزية باكراً، مدركاً أنّ العالم يتّجه شرقاً وغرباً نحو لغة جديدة للنفوذ والتواصل. هذا التعدّد اللغوي لم يكن زخرفاً ثقافياً، بل أداة وعي مبكر بالاختلاف الحضاري.

اختياره الطب بعد نيله شهادة البكالوريا سنة 1940 لم يكن خياراً تقنياً محضاً. لقد رأى في الطب علماً يضع الإنسان في مواجهة الحقيقة العارية للجسد والحياة والموت. في جامعة مونبلييه، ثم في باريس بعد الحرب العالمية الثانية، تعمّق في الجراحة وتخصّص في الأمراض الجلدية والتناسلية، وتكوّن تكويناً علمياً صارماً. غير أنّ الأهم من ذلك كان ما تعلّمه خارج قاعات الدرس: قراءة المجتمع الغربي من الداخل، وملاحظة الفجوة بين التقدّم العلمي والفراغ القيمي، والتمييز بين قوة المعرفة وقوة الهيمنة.

سنة 1950، نال شهادة الدكتوراه من جامعة باريس، وفي العام ذاته التقى الملك محمد الخامس، في لحظة ستظلّ حاضرة في ذاكرته بوصفها رمزاً لالتقاء العلم بالوطنية. عاد إلى المغرب وفتح عيادته بالدار البيضاء، لكن الاستقرار المهني لم يطل. فالمغرب كان يعيش ذروة الصراع مع الاستعمار الفرنسي، والحركة الوطنية كانت في حاجة إلى كفاءات تفهم لغة الخارج بقدر ما تُخلص للداخل. هنا بدأ التحوّل الحاسم في مساره: من طبيب يعالج الأجساد إلى فاعل وطني يسهم في علاج جراح الوطن.

انخرط بن عبود في العمل الوطني منذ الأربعينيات، بدايةً في الحزب الوطني ثم في حزب الاستقلال سنة 1944. لم يكن انخراطه تنظيمياً فحسب، بل فكرياً وإعلامياً، إذ شارك في صياغة الخطاب الوطني الموجّه إلى الخارج. وحين انتقل إلى الولايات المتحدة سنة 1951، لم يكن ذلك استكمالاً لتخصّص طبي، بل تكليفاً سياسياً واضحاً: فتح مكتب للدعاية والتعريف بالقضية المغربية في نيويورك، والتواصل مع النخب السياسية والفكرية الأمريكية، في وقتٍ كانت فيه فرنسا تحاول احتكار السردية الدولية حول “حمايتها” للمغرب.

في نيويورك وواشنطن، مارس بن عبود شكلاً مبكّراً من الدبلوماسية غير الرسمية. كتب، وشرح، وأعدّ ملفات تاريخية وإعلامية، وربط علاقات مع أعضاء في الكونغرس ومراكز بحث وصحافة. هذا النشاط أثار حفيظة السلطات الفرنسية، التي سعت إلى الضغط عليه وعرقلة تحرّكاته، بل ومحاولة توقيفه سنة 1954، دون أن تنجح. كانت تلك المرحلة مختبراً عملياً لتكوينه السياسي: تعلّم فيها أنّ معركة الاستقلال لا تُخاض بالسلاح وحده، بل بالكلمة والمعرفة والقدرة على إقناع الآخر بلغته.

مع تصاعد المقاومة المسلحة، عاد بن عبود إلى شمال المغرب سنة 1955، والتحق بقيادات جيش التحرير في تطوان. هناك توثّقت علاقته بالدكتور عبد الكريم الخطيب، وتولّى معه مهام تنسيقية شملت الاتصال بالحكومة العراقية وجلب السلاح للمقاومين. ثم أُوفد إلى القاهرة، حيث شارك في صياغة “الميثاق المغاربي” لجيوش تحرير المغرب العربي، مؤمناً بأن استقلال المغرب لا ينفصل عن تحرّر الجزائر وتونس، وأن الوحدة المغاربية ليست شعاراً عاطفياً، بل ضرورة استراتيجية.

بعد الاستقلال سنة 1956، جاء تعيينه أول سفير للمغرب لدى الولايات المتحدة الأمريكية تتويجاً لمسارٍ وطني طويل، لا مكافأةً شخصية. كان الرجل يعرف واشنطن، ويجيد لغتها السياسية، ويمتلك رصيداً من العلاقات والخبرة، ما أهّله لتمثيل دولة فتية في واحدة من أعقد ساحات القرار الدولي. غير أنّ هذه المرحلة، على أهميتها، لم تُلغِ جوهر شخصيته: بقي بن عبود يعتبر المنصب وسيلة لا غاية، وخدمةً للوطن لا امتيازاً دائماً.

هكذا تتشكّل المرحلة الأولى من سيرة المهدي بن عبود: نشأةٌ متجذّرة في القيم، تكوينٌ علمي صارم ومنفتح، وانخراطٌ وطني مبكر جمع بين الفكر والفعل. سيرةُ رجلٍ لم يرَ في العلم ملاذاً فردياً، ولا في السياسة سلّماً شخصياً، بل اعتبرهما معاً جزءاً من واجبٍ تاريخي تجاه وطنٍ كان يتلمّس طريقه من زمن الحماية إلى أفق الدولة المستقلة.

د. محمد بشاري _ الأمين العام للمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة

زر الذهاب إلى الأعلى