مقالات الرأى

محمد بغدادى يستحق الجائزة التقديرية

بقلم : أنس الوجود رضوان

0:00

يُعدّ محمد بغدادي أحد النماذج النادرة للمبدع الشامل في الثقافة المصرية؛ إذ تتقاطع في تجربته مسارات متعددة تجمع بين الكتابة الصحفية، والشعر، وفنون الخط، والتشكيل البصري، في نسيج إبداعي متماسك تتكامل فيه الرؤى وتتوحد الهوية. ليست هذه التعددية استعراضاً للمهارات، بقدر ما هي تعبير عن وعي فني عميق يرى الإبداع فعلًا كلياً لا يقبل التجزئة
لم تتشكّل هذه التجربة بمعزل عن سياقها، بل جاءت ثمرة نشأة في بيئة ثقافية ثرية؛ فهو ابن السويس، المدينة التي ارتبط اسمها بالكفاح والوعي الوطني، كما ينتمي إلى مؤسسة ًروز اليوسف ً، تلك المدرسة الصحفية والفكرية العريقة التي أسهمت في صياغة الوعي الثقافي المصري الحديث، واحتضنت أجيالاً من كبار الكتّاب والمفكّرين.
في هذا المناخ تبلورت شخصية محمد بغدادي الفنية، فجمع بين انضباط الصحفي، وحساسية الشاعر، ودقّة الخطاط، وجرأة الفنان التشكيلي، ليقدم تجربة خاصة لا تشبه سواها. وقد إنعكس هذا الثراء على مسيرته الإبداعية التي إتسمت بحرية الحركة بين الأجناس الفنية، من الشعر إلى المسرح، ومن الدراما التلفزيونية إلى العمل الغنائي، مؤكداً أن الإبداع الحقيقي يتجاوز الحدود الصارمة والتصنيفات الجاهزة.
وكان لبغدادي حضور لافت في الدراما التلفزيونية، من خلال كتابة أشعار وسيناريو مسلسل فارس بلا جواد، العمل الذي أثار جدلاً واسعاً وترك أثراً واضحاً في الوعي العام، كما كتب أشعار مسرحيتي “كارمن”، و”سكة السلامة و”سكة السلامة” لمحمد صبحي، و”قلب في الروبابيكيا” لمحمود رضا، وأوبريت “الفن أصل الحياة
ليؤكد أن الفن ركيزة أساسية في بناء الإنسان وصياغة الوعي الحضاري ، مضيفاً محطات مهمة فى رصيده الفني المتنوع، أصدر كتب عن “صلاح جاهين أمير شعراء العامية”، و”حجازي فنان الحارة المصرية”، و”جورج البهجوري أيقونة مصرية”، و”إشكاليات الإخراج الصحفي بين الفن التشكيلي والحاسب الآلي
إن تكريم وزير الثقافة لمحمد بغدادي يُمثل لفتة تقدير مستحقة، غير أنه يظلّ خطوة رمزية في مسار استحقاق أوسع فمشواره الإبداعي الممتد، وما قدمه من أعمال ذات أثر ملموس في المسرح والدراما والشعر والفنون البصرية والصحافة ، يجعله أهلاً لنيل جائزة الدولة التقديرية، بوصفها اعترافاً رسمياً بقيمة تجربة أسهمت بعمق وتنوّع في إثراء المشهد الثقافي المصري.
إن الإحتفاء بمحمد بغدادي لا يقتصر على تكريم فرد، بل يعد إعترافاً بقيمة الإبداع المتعدد، وبأهمية المبدع الذي ظلّ وفيّاً للفن بوصفه رسالة، لا وسيلة للوجاهة أو العبور السريع. فالتاريخ الثقافي لا يحتفي بالضجيج العابر، بل يحتفظ بأسماء الذين كتبوا حضورهم بهدوء .وتركوا أثراً لا يمحى ، والفنان محمد بغدادي واحد من هؤلاء .

زر الذهاب إلى الأعلى