مقالات الرأى
حازم البهواشي يكتب: الشيخ الغزالي في ذكرى ميلاده

0:00
في طليعة الدعاةِ في العصر الحديث يقف الشيخ “محمد الغزالي” متفردًا بما حباهُ اللهُ من إخلاصٍ وفَهْمٍ لجوهرِ الإسلامِ ومقاصدِه، ورؤيةٍ تستند إلى أن “الجهاد التربوي أقربُ مناهجِ الإصلاح للصواب”، وهو ما اتفقَ فيه مع الإمام “محمد عبده” (1849م _ 1905م) الذي قدّمَ العملَ التربويَّ الجماهيريَّ على العمل السياسي الضيق. ومن فرط صدق الرجل وإخلاصه، فإنك حين تقرأ له تستحضر صورته أمامك وكأنه يُحدثك بكلماته وجهًا لوجه، في هذه الجملة تعلو النبرة، وفي تلك يضيق بالفهم الضيق، وفي أخرى يدافع عن الإسلام وكأنه يكتب بقطراتِ دمِه، وفي رابعةٍ تُشفِق عليه من أن يُصيبَه مكروه من فرط حرصه على أن يَفهمَ الناسُ وأن تصلَهم حقيقةُ هذا الدين، ومرة تشعر برِقَّةِ قلبِه وبالدفء والحنو يقطر من حروفه وكلماته، وأخرى تراه ممتنًّا شاكرًا لأنعُمِ الله. في الثاني والعشرين من سبتمبر يكون قد مرَّ على ميلاد أديب الدعوة الشيخ “محمد الغزالي” مائةٌ وثمانيةُ أعوام (22 سبتمبر 1917م _ 9 مارس 1996م). وفي خضم هذه الأحداث التي نمر بها ويمر بها أشقاؤنا في الشمال الشرقي لبلادنا، قلتُ في نفسي إن الله _ عز وجل _ قال في سورة القَصص: ” وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ”، فعُدتُ إلى تفسير الشيخ “الغزالي” الموضوعي لسور القرآن الكريم (صدرت طبعته الأولى عن دار الشروق عام 1995م) فوجدتُ الشيخ يقول: “بدأتْ سورةُ القَصَص بطمأنةِ المؤمنين على مستقبلِهم، مؤكدةً أن عاقبةَ الظُّلمِ مُظلمة، وأن عاقبةَ الصبر جميلة، وأن المستضعفين في الأرض ستتكَسَّرُ قيودُهم ويَستردون حُرياتِهم. وقد ساقتْ ما وقع لموسى وقومِه مثالًا على أن التاريخَ يُعيد نفسَه”. ومن عجبٍ أن المُنتسبين زورًا وبهتانًا إلى سيدنا “موسى” _ عليه السلام _ نسُوا سُنَّةَ اللهِ في الكون، ونسُوا أن وعدَه _ عزَّ وجلَّ _ حق، وأنه لا مُبدل لكلماتِه، وأن الذي علا في الأرض وذبّح الأبناءَ واستحيا النساءَ حتى لا يكونَ لهن عِزوة ويستسلِمن لما يُراد بهن، لم يُفلحْ وكان من المُغرَقين!! والمتأمل في سورة القَصَص يجد أن الآية الخامسة والثمانين من السورة وهي من الآيات الأخيرة فيها ” إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ۚ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ” هذه الآية نزلت في طريق الهجرة من مكة إلى المدينة _ كما يقول المفسرون _ لتُلقِيَ السكينةَ في نفوس المسلمين المستضعفين الذين يُعانون من البطش والظلم، فهي تُعَلِّقُ قلوبَهم بغدٍ أفضل، وتُطَمْئِنُهُمْ إلى أنَّ ما أكرَهَهم على تَرْكِ بلادِهم سيتلاشى!! وبالفعل عاد المهاجرون فاتحين بعد أن خرجوا مكسورين مقهورين _ على حد تعبير الشيخ الغزالي _، فالفتكُ لن يبقى إلى آخرِ الدهر، ولا بُدَّ لليلِ مِن آخِر!! يقول “الغزالي” في معرض تفسيره لسورة القَصَص: “ينبغي أن نعلمَ أن الحياةَ لا تصلحُ بغير دِين، ولا تستقيمُ بغيرِ قلبٍ سليم، وأن التشريعاتِ والنظمَ الوصفيةَ لا تُغني عن الإيمانِ باليومِ الآخِر، والتأهبِ له بالعملِ الصالح… ويُحزنني أن هناك مُتدينين لم يُشَرِّفُوا الإيمانَ بسلوكِهم، ولم يُحقِّقُوا العدالةَ التي أُمِرُوا بإقامتِها، واكتفَوا برفع شعارِ التوحيد…. والإرجاءُ شائعٌ مِن أمدٍ طويل بين جماهير المسلمين، يَرَوْنَ أن العملَ نافلة، وما دام المرءُ مؤمنًا بالله فهو ناجٍ مهما فعل! وقد هدَّ هذا الفكرُ دولةَ الإسلام من قرون”. يقول “الغزالي” في كتابه (كيف نفهم الإسلام؟): _ “فإذا لم يَكْسِرِ المسلمون قيودَ الوهم التي كبَّلتْ مشاعرَهم وأفكارَهم، وإذا لم يعودوا إلى ينابيعِ الفطرةِ الصافية التي جاء بها دينُهم، فهيهاتَ أن تَصِحَّ لهم معيشة، أو تَخْلُصَ لهم وجهة، أو تقومَ لهم قائمة”. _ “ولستُ أَعْرِفُ خيانةً صنعَها الناسُ أسوأَ مِن الخيانةِ التي اجترحَها المسلمون مع دينِهم مُذ تنكَّرُوا له، واشتَغَلُوا بأهوائِهم عن هِداياتِه، وبمآربِهم الشخصيةِ عن أهدافِه العُليا، وغاياتِه السامية”. رحم اللهُ الداعيةَ المفكرَ المستنيرَ صاحبَ الميتة المُخرِسة الذي ما لانتِ الأرضُ لدفنِه بالبقيع إلا بين أهلِ الفقهِ وأهلِ الحديث (الإمام مالك بن أنس ونافع مولى عبد الله بن عمر).










