أحمد محمد صلاح يكتب: بنية العقل المصري

يقول الدكتور رفعت السعيد في الجزء الأول من كتابه بناه مصر الحديثة العقل المصري كيف تكون وكيف يتجدد “وليس لأن هيرودوت قال… وإنما لأن الدراسة العلمية الممتدة منذ نشأة مصر الحديثة (عصر محمد علي) وامتدادا حتى مصر المعاصرة، وما عاشته مصر ولم تزل وما عشناه نحن ودرسناه وتابعناه ولم نزل ندرس ونتأمل لأن مصر كانت وستظل تمتلك مقومات نهوض مختلف ومسار مختلف وقدرة على التلاؤم مع تركيبتها المتميزة تدفعنا كشعب، وتقتاد مصر كوطن عبر مسار لا يمكن قراءته في كتب تطور المجتمعات بل هو مسار يحتاج إلى دراسة علمية متأنية في مجالات متغيرات التركيب الطبقي المصنوع…”
ويستطرد “السعيد” فمصر لم تكن عجائبها مجرد أهرامات ومعابد وأثار تهادت، عبر عصور وأزمنة تركت في نفوس ووجدان المصريين لمحات أو لمسات فارسية بيزنطية رومانية عربية وعثمانية ومسيحية وإسلامية وحتى يهودية، ومع ذلك كله ما آتي له القادمون الجدد إلى الأرض الفرعونية العتيدة من أفكار وفلسفات وديانات وطقوس وإبداعات أثرية… كل هؤلاء أنو بكل هذا لتستوعبه مصر وتتمثله ” اي تهضمه وتتأثر به وتؤثر فيه وتختلق منه عجينة جديدة” ولم يكن الأمر مجرد تداخلات وتمثل وإنما كان التغيير الجذري في آليات الملكية الزراعية التي فرضها محمد علي وشبكات الري والصرف التي أنشأها كرومر وطرق التجارة المملوكية التي جلبت ثروات وخبرات وتجارا… كل ذلك واجهه المصريون… فكانوا شيئا مختلفا وتقدموا أكثر من محيطهم وأصبحوا منارة مترامية الأبعاد… لتنشأ مصر مختلفة في مسارها المجتمعب والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والمعماري شيئا مختلفا… لتستحق فعلا أن ترددا على مسامع العالم أن لدينا من الأشياء العجيبة ما لا يوجد في بلد آخر ”
بالفعل أننا سنظل ندرس ونتأمل في تاريخ مصر، ولم تزل تظهر التأملات والدراسات، وكذلك تظهر وثائق وغيرها تجعلنا نعيد النظر، بل نعيد كتابة أجزاء من تاريخنا القومي، فمصر كما قلت قبلا كائنا حيا، يكبر ويتجدد ويمرض ولكن لا يموت.
عصر محمد علي لم يتركه مؤرخا إلا وأدلى بدلوه في هذا العصر الخطير، العصر الذي كان هو المتكئة التي بدا بها تاريخ مصر الحديث، فبعد إرسال العشرات إلى أوروبا ليتعلموا ويدرسوا ثم يعودون إلى مصر محملين بالعلم لبناء مصر الحديثة، كان محمد علي على الجانب الآخر يقوم بدور سياسي واقتصادي كبير، بعد أن تسلم الدولة وهي مهلهلة، اقتصاديا وإداريا، ليبدأ من جديد في العمل على إنشاء دولة جديدة بفكر حديث.
كان العقل المصري في تلك الحقبة قد تأثر… قليلا… بالوافد الأجنبي… الفرنسيون، صدمته الحضارة الفرنسية المتمثلة في الجندي ذي العيون الزرقاء والبندقية، أمام العمامة الضخمة والسيف.
تقول الحكايات إن بونابرت كان يدخل عليه مشايخ الأزهر وكل منهم يضع فوق رأسه عمامة ضخمة، وكان في تلك الفترة تقاس درجة غي الشخص بعمامته الكبيرة، وكان بونابرت يستاء من ذلك المشهد الغريب، فطلب من أحد الفنانين أن يصمم لهم أي لمشايخ الأزهر زيا بسيطا، فكانت الجبة والككولا والتي إذا حللنا تصميمها سنجدها تشبه ملابس جنود الحملة الفرنسية، أما العمامة التي يضعها طلاب الأزهر فهي تحتوي على ألوان علم فرنسا.
هذا هو التأثر بالحضارة ولكن… وكما قال الدكتور رفعت السعيد… فنحن نتأثر قليلا ولكن نهضم هذا التأثر، فكان أن ذهب إلى أوروبا الشيخ رفاعة الطهطاوي، الذي ذهب إماما للمبعوثين، فعاد مترجما حاذقا وعالما لا يشق له غبار.
سنوات القرن التاسع عشر كانت هي بداية العقل المصري الذي توقف بأسباب كانت لا بد وأن تحدث في سياق التاريخ، تغييبا متعمدا لذلك الوحش الذي اسمه المصريون، ونلاحظ أنه كلما حاول الوحش أن يستيقظ لابد وأن تكون هناك حقنة مخدرة، ولذلك أحاديث أخرى سنفرد لها مقالات عديدة، المهم أن محمد علي قد تلقى بقعة الضوء التي سقطت على أرض مصر من الحملة الفرنسية، ليستثمرها بسرعة بعد أن جلس علي سدة الحكم، وأرسل البعثات إلى أوروبا، ثم استقدم أول مطبعة في مصر، مطبعة بولاق، التي بدأت العمل عام 1822، بقاموس إيطالي عربي، ثم تبدأ بعد ذلك العملية التثقيفية والتعليمية للشعب المصري، وتبدأ أهم حركة في العالم العربي، حركة الترجمة… ليعوض رفاعة الطهطاوي ورفاقه ما فاتنا من قرون.
كان العقل المصري يفتح عينيه ببطء، ولكنه كان يتشرب كل ما يلقي إليه، كتل رمال في صحراء يبتلع قرب الماء ولا يشبع، وبحق كان رفاعة الطهطاوي وصحابه ورفاقه هم بداية مصر الحديثة