صفوت عباس يكتب: (السادات .. شمس تضيء صفحات التاريخ)

«لقد كان الليل طويلاً ثقيلاً.. لكن الأمة لم تفقد إيمانها بطلوع الفجر أبداً».
بهذا الوصف لخص الرئيس الشهيد أنور السادات حال مصر وأحرار العرب بين هزيمة ٥ يونيو ١٩٦٧ ونصر ٦ أكتوبر ١٩٧٣. هزيمةٌ احتُلت فيها الأرض وأُغلقت القناة، في بلد يحاول النهوض بعد الاستعمار وحكم الغرباء بقايا اسره محمد علي، ويبني نهضة صناعية وزراعية وتعليمية، ويواجه صراعاً داخلياً تقوده مراكز القوى والناصريون والإخوان.
قبل أيام بثت قناة عربية برنامجاً استطلاعياً عن السادات، وصف فيه أحد الضيوف الرئيس بأنه «استعراضي يحب الشو». أيّاً كان هدف البرنامج، فلن يطفئ شمس السادات. عبقريته السياسية التي لم تتكرر بين حكام العرب اعتمدت الواقعية والرؤية العميقة. طرد الخبراء الروس عندما رأى أن موسكو تكرّس الهزيمة برفض قطع الغيار، فبدأ بذلك الخداع الاستراتيجي الذي مهّد لحرب التحرير، لا لاسترداد الأرض فحسب، بل لخلخلة الجمود الدولي المنحاز ضد العرب.
كان السادات زعيماً يملك قراره. خاض الحرب بإيمان مطلق بنصر الله رغم تفوق العدو المدعوم بنصف العالم الغربي، وبث في رجاله روح العزيمة التي صنعت نصر أكتوبر العظيم، ونقلت الأمة من اليأس إلى الرجاء.
كان يملك الرؤية أيضاً. أدرك أن تحرير سيناء كاملة مستحيل وإسرائيل تقاتل بيد أمريكا وسلاحها ومالها. فخرج عن النص المكتوب أمام مجلس الشعب ١٩٧٧، وفي حضور ياسر عرفات، ليعلن: «أنا مستعد للذهاب إلى آخر مكان في العالم.. ستدهش إسرائيل عندما تسمعني أقول إنني مستعد للذهاب إلى بيتهم، إلى الكنيست ذاته، لو ساعد هذا على إنقاذ دم أبنائي».
دهشت إسرائيل والعالم، وانقلب عليه أغلب العرب بمن فيهم عرفات. ومع ذلك ذهب إلى الكنيست وأمطر الإسرائيليين بكلمات كالصفعات، فطرق بيجين ورابين وشارون رؤوسهم حسرة.
أنجز السادات معاهدة السلام التي استردت بها مصر أرضها كاملة، وفتحت طريقاً للفلسطينيين لاسترداد أراضي ١٩٦٧ وسارت الأردن على خطاه فاستردت ما احتُل منها.
أما الذين عارضوه فلم ينجزوا شيئاً. حتى ما حققته أوسلو ضاع بعد «طوفان الأقصى المزعوم»، ومعه الجنوب السوري فوق الجولان وجنوب لبنان.
وللانصاف كان هناك دعما عربيا عظيما قدمه الراحلون القاده الملك فيصل والشيخ زايد وبومدين واخرون كرس لتضامن عربي كبير
خطأه الوحيد، الذي اعترف به، أنه خفف الخناق عن جماعات الإسلام السياسي، فكان استشهاده على أيديهم في يوم نصره أكتوبر ١٩٨١. طوى عمر أعظم عبقرية سياسية، وبقي تاريخه ناصعاً تتدارسه الأجيال، كما قال: «وربما جاء يوم نجلس فيه معاً لا لكي نتفاخر ونتباهى، ولكن لكي نتذكر وندرس ونعلّم أولادنا وأحفادنا جيلاً بعد جيل قصة الكفاح ومشاقه ومرارة الهزيمة وحلاوة النصر».
رحم الله السادات القائد المعلم الملهم الشهيد، ولتخرس الألسنة التي تحاول ان تطفئ شمسه المشرقة.










