حازم البهواشي يكتب: رجلٌ غرسَ بذورَ الخير
في الثاني والعشرين من سبتمبر تَحِلُّ ذِكرى ميلادِ أديبِ الدعوة الشيخ "مُحمد الغزالي" (22 سبتمبر 1917م _ 9 مارس 1996م)، ومع كُلِّ ذِكرى للشيخ، وحين أتأملُ حياتَه وكتاباتِه لا يَستطيعُ عقلي أن يَعقِدَ مُقارنةً بينَه وبين مُعظمِ دُعاةِ اليوم؛ فما شعرَ "الغزالي" يومًا أنه مُوظفٌ يَبحثُ عن راتِبِه الشَّهري، بل عَرَفَ أنَّ اللهَ أنعمَ عليه بعقلٍ فَهِمَ الإسلامَ كما أرادَ صاحبُ الرسالة، وقلبٍ مُفعمٍ بحُبِّ دينِ الله، وأنه _ سبحانه _ جعله مِن حُرَّاسِ دِينِه، فكانَ على ثَغْرٍ مِن ثُغُورِ الإسلام يُدافعُ عنه ما استطاعَ إلى ذلك سبيلًا، وكان سَدًّا منيعًا أمامَ أصحابِ الفِكْرِ السقيم من الإسلاميين المُتشددين الغِلاظ وغيرِهم. كتبَ وخطبَ فكان كلُّ حرفٍ من حروفِ كلماتِه يَخرُجُ مِن بينِ شَفتَيْنِ صادقتَيْن، وبقلمٍ يَستمِدُّ مِدَادَهُ مِن قلبٍ مِلْؤُهُ الحُبُّ الصادِقُ والفَهْمُ المُستنيرُ لدِينِ الله. إنْ شِئتَ قُلْ: إنه رجلٌ نادر، رجلُ الحق، من أولئِك الذين "صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عليه"، عالِمٌ رَبَّانِيٌّ حَمَلَ هُمُومَ الأُمة، كان ولا يزالُ له تأثيرٌ كبيرٌ في تكوينِ الشخصيةِ الفكريةِ لكثيرين. قرأتُ لأحدِهم أنه قالَ لصديقِه: (لماذا لا يَصِيحُ دِيكُكُم؟! فَرَدَّ الصديق: اشتكَى منه الجيرانُ لأنه يُوقِظُهم فذبحناه)!! هنا فهمتُ أن كلَّ مَن يُوقِظُ الناسَ مِن سُبَاتِهِم على امتدادِ التاريخ، تجِدْ هناك مَن يُريدُ قطعَ رأسِه!! لذا فقد تعرَّضَ "الغزالي" لمُضايقاتٍ وتضييقاتٍ؛ لأنه صوتٌ يُوقِظُ الأُمة، ولا يُريدُ لها أنْ تَظَلَّ في هذا السُّباتِ العَميق، إنه صوتٌ يَعِي أن الإسلامَ ليسَ دِينَ الكسلِ والكُسَالَى، وليسَ دِينَ الدراويشِ المُتواكِلين، إنه دِينٌ يَقِظ، يُحب العقل، يُعلي مِن شأنِ التفكير، بينه وبين الخُمُولِ خُصومة ولا يُمكنُ أن يَصطلِحَا أبدًا!! يقولُ "الغزالي": "إن الـمـؤمـنـيـن الأقـدمـيـن كـانـوا يُـمـثـلـون جِـيـلًا مِـن أحـرارِ الـعُـقـول وكِـبـارِ الـقـلـوب، كـانـوا فـي أسـواقِ الـمـال وسـاحـاتِ الـقـتـال جِـنَّ سُـلـيـمـان، فـلـمَّـا نَـصَـرَهُـمُ اللهُ بـعـدَ مِـحـنـتِـهـم مـلأوا الـدنـيـا حـضـارة ونـضـارة". اتهمُوه _ دُون بَيِّنَة _ بأنه عدوٌّ للسُّنة، وهو صاحبُ كتاب (السُّنة النبوية بين أهلِ الفقهً وأهلِ الحديث) و (كُنوز من السُّنة) و (فِقه السِّيرَة)، وسُوءُ فَهْمِهِم لمنهجِ الكتابِ الأول جعلهم يَشتطون في الحُكم على الرجل الذي قام أحدُ كبارِ المشتغلين بالحديث (الألباني) بتخريجِ أحاديثِ كتابِه (فقه السيرة)، ولم يدَّعِي "الغزالي" العِصمة، بل أعلن أنه استفادَ مِن تصويباتِ أهلِ العِلْمِ الذين حاورهم أو كتبُوا إليه أو سَمِعَ آراءَهم، فلماذا يُسْقِطُ البعضُ العدلَ بسببِ الخصومة؟! ولماذا يُسقِطُونَ محاسِنَ الرجال بسبب خلافٍ سيظل قائمًا؟! وإن مِيتةَ "الغزالي" ومكانَ دفنِه لَيُخرِسُ الألسنةَ التي تطاولتْ عليه، وتؤكدُ أن فِكرَه سيظلُّ يُثمِرُ خيرًا، ومَا الخِلافُ معه إلا أمرٌ طبيعي، لقد دُفِنَ بالبقيع بين أهلِ الفِقهِ وأهلِ الحديث، دُفِنَ بين قبرِ الإمامِ "مالك بن أنس" (أهل الفقه) وقبرِ "نافع" مولى "عبدِ الله بن عُمر" (أهل الحديث)!! عاشَ الرجلُ والإسلامُ يَجري في عُروقِه مَجرى الدم، وماتَ في المَيدان وهو يُحاربُ خُصومَه، ويكأن اللهَ قيضَهُ ليُدافعَ عن دينِه ضِدَّ مَن نَعَتُوهُ بالإرهاب، ومَن شوهُوه، ومَن تطرفوا في فَهمِه ومَن تربَّصوا به! وكما قيل عنه: (إنه فارسٌ حَمَى دِينَهُ لآخِرِ أنفاسِه). مِنَ الناسِ مَن يَحيا بعدَ موتِه بعِلمٍ نافعٍ وعملٍ صالح، يَشهدُ على ذلك تلاميذُه في مِصرَ، وما قدَّمَهُ مِن عِلْمٍ وهو يُدَرِّسُ في جامعةِ الأزهر، وما قدَّمَهُ للدعوةِ وهو في وزارةِ الأوقاف أو خارجَها، وما ساهمَ به في الجزائر، إذ شاركَ في تأسيس الجامعةِ الإسلامية، وقدَّم أحاديثَ في التليفزيون يومَ الإثنين من كل أسبوع، ولا يَزال أشقاؤنا في الجزائر إلى اليوم يَحمِلون الحُبَّ للغزالي في قلوبِهم، يَظهرُ ذلك في حديثِهم وفي تعليقاتِهم، وقد قام "الغزالي" على تخريجِ علماءَ لهم بصيرة، إذ كان هو كذلك، حتى إن سيدةً من تلميذاته بالجزائر قالت عنه: (كنا كلما قرأنا عليه القرآنَ بكى فأبكى الجميع! وإذا ذُكِر الرسولُ _ صلى الله عليه وسلم _ اقشعَرَّ وبكى حتى يَبكِيَ مَن حَولَه)!! مولانا "الغزالي": غرسُكَ قائِم، وثِمَارُك مُونِقة، والدعاةُ عِيَالٌ عليكم، ومِثلُك لا يَمُرُّ في الدنيا إلا قليلًا، لكنه يَترُكُ قِصةً لا تَنتهي وأثرًا لا يَنمَحِي، وفي الليلةِ الظلماءِ يُفتقَدُ البدرُ.

في الثاني والعشرين من سبتمبر تَحِلُّ ذِكرى ميلادِ أديبِ الدعوة الشيخ “مُحمد الغزالي” (22 سبتمبر 1917م _ 9 مارس 1996م)، ومع كُلِّ ذِكرى للشيخ، وحين أتأملُ حياتَه وكتاباتِه لا يَستطيعُ عقلي أن يَعقِدَ مُقارنةً بينَه وبين مُعظمِ دُعاةِ اليوم؛ فما شعرَ “الغزالي” يومًا أنه مُوظفٌ يَبحثُ عن راتِبِه الشَّهري، بل عَرَفَ أنَّ اللهَ أنعمَ عليه بعقلٍ فَهِمَ الإسلامَ كما أرادَ صاحبُ الرسالة، وقلبٍ مُفعمٍ بحُبِّ دينِ الله، وأنه _ سبحانه _ جعله مِن حُرَّاسِ دِينِه، فكانَ على ثَغْرٍ مِن ثُغُورِ الإسلام يُدافعُ عنه ما استطاعَ إلى ذلك سبيلًا، وكان سَدًّا منيعًا أمامَ أصحابِ الفِكْرِ السقيم من الإسلاميين المُتشددين الغِلاظ وغيرِهم.
كتبَ وخطبَ فكان كلُّ حرفٍ من حروفِ كلماتِه يَخرُجُ مِن بينِ شَفتَيْنِ صادقتَيْن، وبقلمٍ يَستمِدُّ مِدَادَهُ مِن قلبٍ مِلْؤُهُ الحُبُّ الصادِقُ والفَهْمُ المُستنيرُ لدِينِ الله.
إنْ شِئتَ قُلْ: إنه رجلٌ نادر، رجلُ الحق، من أولئِك الذين “صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عليه”، عالِمٌ رَبَّانِيٌّ حَمَلَ هُمُومَ الأُمة، كان ولا يزالُ له تأثيرٌ كبيرٌ في تكوينِ الشخصيةِ الفكريةِ لكثيرين.
قرأتُ لأحدِهم أنه قالَ لصديقِه: (لماذا لا يَصِيحُ دِيكُكُم؟! فَرَدَّ الصديق: اشتكَى منه الجيرانُ لأنه يُوقِظُهم فذبحناه)!! هنا فهمتُ أن كلَّ مَن يُوقِظُ الناسَ مِن سُبَاتِهِم على امتدادِ التاريخ، تجِدْ هناك مَن يُريدُ قطعَ رأسِه!! لذا فقد تعرَّضَ “الغزالي” لمُضايقاتٍ وتضييقاتٍ؛ لأنه صوتٌ يُوقِظُ الأُمة، ولا يُريدُ لها أنْ تَظَلَّ في هذا السُّباتِ العَميق، إنه صوتٌ يَعِي أن الإسلامَ ليسَ دِينَ الكسلِ والكُسَالَى، وليسَ دِينَ الدراويشِ المُتواكِلين، إنه دِينٌ يَقِظ، يُحب العقل، يُعلي مِن شأنِ التفكير، بينه وبين الخُمُولِ خُصومة ولا يُمكنُ أن يَصطلِحَا أبدًا!!
يقولُ “الغزالي”: “إن الـمـؤمـنـيـن الأقـدمـيـن كـانـوا يُـمـثـلـون جِـيـلًا مِـن أحـرارِ الـعُـقـول وكِـبـارِ الـقـلـوب، كـانـوا فـي أسـواقِ الـمـال وسـاحـاتِ الـقـتـال جِـنَّ سُـلـيـمـان، فـلـمَّـا نَـصَـرَهُـمُ اللهُ بـعـدَ مِـحـنـتِـهـم مـلأوا الـدنـيـا حـضـارة ونـضـارة”.
اتهمُوه _ دُون بَيِّنَة _ بأنه عدوٌّ للسُّنة، وهو صاحبُ كتاب (السُّنة النبوية بين أهلِ الفقهً وأهلِ الحديث) و (كُنوز من السُّنة) و (فِقه السِّيرَة)، وسُوءُ فَهْمِهِم لمنهجِ الكتابِ الأول جعلهم يَشتطون في الحُكم على الرجل الذي قام أحدُ كبارِ المشتغلين بالحديث (الألباني) بتخريجِ أحاديثِ كتابِه (فقه السيرة)، ولم يدَّعِي “الغزالي” العِصمة، بل أعلن أنه استفادَ مِن تصويباتِ أهلِ العِلْمِ الذين حاورهم أو كتبُوا إليه أو سَمِعَ آراءَهم، فلماذا يُسْقِطُ البعضُ العدلَ بسببِ الخصومة؟! ولماذا يُسقِطُونَ محاسِنَ الرجال بسبب خلافٍ سيظل قائمًا؟! وإن مِيتةَ “الغزالي” ومكانَ دفنِه لَيُخرِسُ الألسنةَ التي تطاولتْ عليه، وتؤكدُ أن فِكرَه سيظلُّ يُثمِرُ خيرًا، ومَا الخِلافُ معه إلا أمرٌ طبيعي، لقد دُفِنَ بالبقيع بين أهلِ الفِقهِ وأهلِ الحديث، دُفِنَ بين قبرِ الإمامِ “مالك بن أنس” (أهل الفقه) وقبرِ “نافع” مولى “عبدِ الله بن عُمر” (أهل الحديث)!!
عاشَ الرجلُ والإسلامُ يَجري في عُروقِه مَجرى الدم، وماتَ في المَيدان وهو يُحاربُ خُصومَه، ويكأن اللهَ قيضَهُ ليُدافعَ عن دينِه ضِدَّ مَن نَعَتُوهُ بالإرهاب، ومَن شوهُوه، ومَن تطرفوا في فَهمِه ومَن تربَّصوا به! وكما قيل عنه: (إنه فارسٌ حَمَى دِينَهُ لآخِرِ أنفاسِه).
مِنَ الناسِ مَن يَحيا بعدَ موتِه بعِلمٍ نافعٍ وعملٍ صالح، يَشهدُ على ذلك تلاميذُه في مِصرَ، وما قدَّمَهُ مِن عِلْمٍ وهو يُدَرِّسُ في جامعةِ الأزهر، وما قدَّمَهُ للدعوةِ وهو في وزارةِ الأوقاف أو خارجَها، وما ساهمَ به في الجزائر، إذ شاركَ في تأسيس الجامعةِ الإسلامية، وقدَّم أحاديثَ في التليفزيون يومَ الإثنين من كل أسبوع، ولا يَزال أشقاؤنا في الجزائر إلى اليوم يَحمِلون الحُبَّ للغزالي في قلوبِهم، يَظهرُ ذلك في حديثِهم وفي تعليقاتِهم، وقد قام “الغزالي” على تخريجِ علماءَ لهم بصيرة، إذ كان هو كذلك، حتى إن سيدةً من تلميذاته بالجزائر قالت عنه: (كنا كلما قرأنا عليه القرآنَ بكى فأبكى الجميع! وإذا ذُكِر الرسولُ _ صلى الله عليه وسلم _ اقشعَرَّ وبكى حتى يَبكِيَ مَن حَولَه)!!
مولانا “الغزالي”: غرسُكَ قائِم، وثِمَارُك مُونِقة، والدعاةُ عِيَالٌ عليكم، ومِثلُك لا يَمُرُّ في الدنيا إلا قليلًا، لكنه يَترُكُ قِصةً لا تَنتهي وأثرًا لا يَنمَحِي، وفي الليلةِ الظلماءِ يُفتقَدُ البدرُ.










