إيمان سعيد تكتب: الطلاق ينهي الزواج… لكنه لا يُسقط مسؤولية الأبوة والأمومة

بعد الطلاق تبدأ مرحلة لا يتحدث عنها الكثيرون، مرحلة اكتشاف أن الانفصال أنهى علاقة بين رجل وامرأة، لكنه لم يُنهِ علاقة الأب بأبنائه ولا الأم بأبنائها. فالطفل لم يختر أن يتغير بيته، ولم يكن طرفًا في أسباب الانفصال، ومع ذلك قد يصبح أكثر شخص يتأثر بكل ما يحدث بعده.
وهنا يأتي الاختبار الحقيقي للأب والأم: هل يستطيعان أن يبدآ علاقة جديدة، ليست علاقة زوجين، وإنما علاقة تقوم على الاحترام والتفاهم والمسؤولية من أجل أبنائهما؟
ليس المطلوب أن ينسى أحدهما ما حدث، ولا أن يعودا أصدقاء، ولا حتى أن يتفقا في كل شيء. المطلوب أن يعرف كل طرف أن الخلاف الذي أنهى الزواج يجب ألا يتحول إلى أسلوب حياة بعد الطلاق. أن يتوقفا عن محاكمة بعضهما أمام الطفل، وعن استخدامه لنقل الكلام أو معرفة الأخبار أو الضغط على الطرف الآخر، وأن يدركا أن الطفل ليس ساحة لتصفية الحسابات.
أحيانًا يحتاج الأب والأم إلى أن يجلسا معًا، ليس ليبحثا من المخطئ ومن المظلوم، وإنما ليضعا قواعد جديدة لحياة الطفل: كيف يتواصل مع كل منهما، كيف تُتخذ القرارات المهمة، وكيف يتعاملان مع دراسته ومرضه ومشكلاته ونجاحاته. عندما يصبح التعامل واضحًا، تقل مساحة الخلاف، ويشعر الطفل أن حياته رغم تغيرها ما زالت مستقرة.
والأهم أن يمنح كل طرف للآخر حقه في أن يكون أبًا أو أمًا. لا تجعل الأم الطفل يشعر أن حبه لأبيه خيانة لها، ولا تجعل الأب الطفل يشعر أن قربه من أمه انتقاص منه. الطفل لا يستطيع أن يقسم قلبه نصفين، ولا يجب أن يُطلب منه ذلك أصلًا؛ هو يحتاج الاثنين، لكن كل واحد منهما بطريقة مختلفة.
حتى عندما تبدأ حياة جديدة، يجب أن يبقى الطفل مطمئنًا إلى أن مكانته لم تتغير. لا يدخل شخص جديد ليأخذ مكان الأب أو الأم، ولا يتحول وجوده إلى سبب لصراع جديد. الطفل يحتاج أن يعرف أن العالم تغيّر حوله، لكن الحب والأمان لم يتغيرا.
والعلاقة السوية بين المطلقين لا تعني أن الخلافات ستختفي، وإنما تعني أن الخلاف لن يصل إلى الطفل. قد تختلفان في الرأي، لكن لا تختلفان على حقه في الحب. قد يغضب أحدكما من الآخر، لكن لا تجعلوا الغضب سببًا لحرمان الطفل من أحد والديه. وقد يحمل كل طرف بداخله ألمًا قديمًا، لكن النضج الحقيقي أن يعرف متى يتحدث ومتى يصمت، خصوصًا عندما يكون الكلام سيدفع ثمنه طفل.
فالطفل لا يحتاج أبوين مثاليين، وإنما يحتاج أبوين قادرين على وضع مصلحته فوق رغبة كل منهما في الانتصار. يحتاج أن يرى أن العلاقة يمكن أن تنتهي دون أن تتحول إلى كراهية، وأن الاختلاف لا يعني الإهانة، وأن الإنسان يستطيع أن يغادر حياة شخص دون أن يهدم صورته أمام أبنائه.
قد لا تعود الأسرة كما كانت قبل الطلاق، وقد يعيش الطفل بين بيتين، لكن بإمكان الأب والأم أن يصنعا له حياة يشعر فيها بالأمان في الاثنين.
وفي النهاية، قد ينتهي الزواج بورقة، وقد تتغير البيوت والأيام، لكن هناك مسؤولية لا تنتهي ولا تسقط بالانفصال.
أن يظل الأب أبًا… وتظل الأم أمًا… وأن يكبر الطفل وهو يعرف أن طلاق والديه غيّر شكل عائلته، لكنه لم يسلبه حقه في أن يكون طفلًا سويًا، محبوبًا وآمنًا بين والديه..









