إيمان سعيد تكتب: قبل ما تحاسب ابنك… عِش يومًا واحدًا مكانه!

إنت متخيل إن ابنك ناسي؟ متخيل إن اللي حصل قدامه خلص بمجرد ما الخناقة خلصت؟ متخيل إن الطفل لما يسكت يبقى مش فاهم؟ الحقيقة إن الطفل ممكن يسكت لأنه مش قادر يتكلم، وممكن يضحك لأنه مش عارف يعبّر عن وجعه، وممكن يقول «أنا كويس» وهو من جواه بيحاول يفهم ليه أكتر شخصين بيحبهم في الدنيا بقوا سبب خوفه وقلقه.
قبل ما تزعل من ابنك لأنه اتغير، حط نفسك مكانه واسأل نفسك: لو كنت مكانه، كنت هتستحمل؟ لو كنت كل يوم تسمع كلامًا عن أبوك أو أمك، وتشوف الخلافات، وتحس إنك مطالب تختار، وتعيش بين بيتين ومشاعر متناقضة، هل كنت هتفضل نفس الشخص الهادئ اللي أنت عايزه؟ لو كنت بتسمع «أبوك عمل» و«أمك قالت» وأنت أصلًا كل اللي نفسك فيه إن الاتنين يفضلوا أهلك، كنت هتقدر تنام مرتاح؟
إحنا الكبار أحيانًا بنرتكب أكبر ظلم وإحنا مقتنعين إننا بنعمل الصح. بنحكي للطفل تفاصيل أكبر من سنه، وننتظر منه يفهم أسباب انفصالنا، ونضع في يده مشاكل لم يصنعها، ثم نستغرب لما يكبر وهو غاضب أو خائف أو فاقد للثقة.
والأخطر إننا أحيانًا نعاقبه على رد فعل إحنا اللي صنعناه.
نقول: «ابني اتغير»… ولا نسأل: مين اللي غيره؟ نقول: «بقى عصبي»… ولا نسأل: إيه اللي خلاه يعيش طول الوقت في حالة دفاع؟ نقول: «مش بيحب يقعد معانا»… ولا نسأل: هل البيت بالنسبة له بقى مكان أمان ولا مكان ينتظر فيه المشكلة القادمة؟
الطفل مش محتاج أب وأم كاملين… لكنه محتاج أب وأم يعرفوا إن خلافاتهم مش لازم تتحول إلى حرب داخل قلبه.
محتاج يسمع من أبوه: «أمك تفضل أمك مهما حصل بينا.» ومحتاج يسمع من أمه: «أبوك يفضل أبوك، وأنا مش هخليك تكرهُه علشان أنا زعلانة منه.»
محتاج حد يحميه من الكراهية، مش يعلّمه إياها. يحميه من الانتقام، مش يستخدمه وسيلة للانتقام. يحافظ على قلبه، بدل ما يحوله إلى ساحة لتصفية حسابات الكبار.
حط نفسك مكان ابنك قبل ما تحكم عليه.
تخيل إنك صغير، ومش فاهم ليه الناس اللي المفروض تحميك بتوجع بعض. تخيل إنك بتحب الاتنين، وكل واحد فيهم عايزك تقف في صفه. تخيل إنك خايف تقول إنك بتحب الطرف الآخر علشان محدش يزعل منك.
ساعتها هتفهم إن بعض الأطفال لا يحتاجون عقابًا… يحتاجون حضنًا.
لا يحتاجون محاضرة… يحتاجون أمانًا.
ولا يحتاجون أن نخبرهم مَن المخطئ… يحتاجون أن نخبرهم أن ما يحدث بين الكبار ليس ذنبهم.
افتكر دايمًا إن ابنك مش هيكبر ويفتكر قيمة اللعبة اللي اشتريتها له، ولا عدد المرات اللي دفعت فيها مصاريفه، لكنه ممكن يفتكر جدًا كيف جعلته يشعر وهو صغير: هل كان محبوبًا؟ هل كان مسموعًا؟ هل كان آمنًا؟ وهل كان مسموحًا له أن يحب أباه وأمه دون أن يشعر بالذنب؟
قبل ما تقول لابنك «إنت مش فاهم»… اسأل نفسك: يمكن هو فاهم أكتر مما تتخيل، لكنه موجوع أكتر مما يقدر يقول.
فالطفل الذي تكسره اليوم لن يستطيع أن يعود غدًا ليعيش طفولته من جديد.
حط نفسك مكان ابنك… ولو لم تقبل أن تعيش ما يعيشه، فلا تطلب منه أن يتحمله..









