د.داليا البيلي تكتب : رسائل الرئيس السيسي في المولد النبوي.. من أخلاق النبوة إلى قوة الدولة

لم تكن كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف مجرد كلمة ترتبط بمناسبة دينية جليلة، بقدر ما حملت رسائل تتجاوز المناسبة إلى مفهوم أوسع: كيف تتحول القيم والأخلاق إلى منهج لبناء الدولة؟
فحين يؤكد الرئيس أن رفعة الأمة تقوم على إتقان العمل وحسن الخلق، وأن الأمر ليس مجرد كلمات تُردد، وإنما «نمط تفكير، ومنهج عمل، وطريقة حياة»، فإننا أمام رؤية تربط بين القيم والسلوك، وبين الأخلاق وقدرة المجتمع على البناء والتقدم.
فالصدق في إدارة الشأن العام يعني الشفافية، والأمانة تعني الحفاظ على المال العام وحقوق المواطنين، والعدل يعني سيادة القانون، وإتقان العمل يعني مؤسسات أكثر كفاءة وقدرة على خدمة الناس.
ولعل اللافت في الكلمة أن التوجيهات الرئاسية انتقلت مباشرة من هذه القيم إلى تفاصيل تمس حياة المواطن اليومية: من العقارات وفواتير الكهرباء والأسواق والأسعار، إلى الطرق والخدمات المحلية وشكاوى المواطنين ومكافحة الفساد.
ورغم اختلاف هذه الملفات، فإنها تلتقي عند رسالة واحدة واضحة: الدولة لا تغفل حقوق مواطنيها.
فالدولة القوية ليست فقط التي تنفذ المشروعات الكبرى أو تمتلك مؤسسات قادرة على حماية حدودها، وإنما أيضًا التي يشعر المواطن بقوتها وعدالتها في حياته اليومية؛ في عقد يحفظ حقه، وفاتورة تعكس استهلاكه الحقيقي، وطريق آمن، وسوق منضبط، ومسؤول يسمع شكواه ويتحرك لحلها.
وكانت قضية الوعي من أبرز رسائل الرئيس، خاصة في ظل ما تشهده المنطقة والعالم من اضطرابات متلاحقة. فقد أكد أهمية إدراك المصريين لما يحيط بالدولة من تحديات، محذرًا من فوضى المعلومات وما يمكن أن تصنعه الشائعات والمعلومات المضللة.
فالتهديدات التي تواجه الدول اليوم لم تعد عسكرية أو اقتصادية فقط؛ هناك أيضًا معركة على الوعي، تُخاض عبر شاشات الهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث يمكن لمعلومة غير صحيحة أو صورة خارج سياقها أن تنتشر إلى الملايين خلال دقائق.
لكن أهمية الخطاب أنه لم يضع مسؤولية الوعي على المواطن وحده، بل ربطها بمسؤولية الدولة عن المصارحة وتقديم المعلومات.
ومن هنا جاءت دعوة الرئيس للحكومة إلى إعداد تقرير شامل عن الإنجازات الفعلية خلال السنوات الماضية، وحجم الأموال والجهود المبذولة والنتائج المحققة، وعرضه على المواطنين، إلى جانب إشراك المثقفين والمتخصصين وأساتذة الجامعات في مناقشة ما تحقق والتحديات القائمة بشفافية ومصداقية.
وهنا تبرز معادلة شديدة الأهمية: مواجهة الشائعة تبدأ بالمعلومة، وبناء الوعي يحتاج إلى مصارحة، والثقة تحتاج إلى شفافية.
فالمواطن الذي يعرف حجم التحديات، وما تحقق وما لم يتحقق، يصبح أكثر قدرة على تكوين رأيه على أساس المعرفة لا الانطباع.
ومن أكثر رسائل الكلمة حسمًا تأكيد الرئيس: «لا موضع بيننا لفاسد، ولا مجاملة لمن يتلاعب بحقوق الشعب، أو يعبث بمقدرات هذا الوطن العظيم».
فالفساد لا يهدر المال العام فقط؛ إنه يهدر الثقة أيضًا.
وعندما يشعر المواطن بأن القانون يحمي حقوقه، وأن المخطئ يُحاسب، وأن النفوذ لا يعلو على القانون، تتعزز ثقته في مؤسسات دولته. لذلك فإن مكافحة الفساد وسيادة القانون ليستا مجرد مسألة إدارية، وإنما جزء من قوة الدولة وتماسك جبهتها الداخلية.
وتكتسب هذه الرسائل أهمية أكبر بالنظر إلى اللحظة الإقليمية والدولية الراهنة. فمصر تتحرك في محيط شديد الاضطراب، وسط تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متشابكة، وهو ما يجعل تماسك الجبهة الداخلية عنصرًا أساسيًا من عناصر الأمن القومي.
لكن هذا التماسك لا يُبنى بالشعارات؛ بل يبنيه مواطن واعٍ، وحكومة تصارحه، ومؤسسات تحترم حقوقه، ومسؤول يدرك أن منصبه مسؤولية، وقانون يطبق على الجميع.
وهنا نعود إلى البداية: ماذا لو تحولت القيم التي نستحضرها في ذكرى المولد النبوي إلى ثقافة عمل داخل المجتمع ومؤسسات الدولة؟
ماذا لو أصبح إتقان العمل قاعدة، والصدق في عرض الحقائق منهجًا، والحفاظ على حقوق الناس أمانة، ومحاسبة الفاسد أمرًا لا استثناء فيه؟
عندها تتحول الأخلاق من قيمة فردية إلى أحد مصادر قوة الدولة.
فالجيش القوي يحمي الحدود، والاقتصاد القوي يدعم قدرة الدولة على الاستمرار، لكن العدل والوعي والثقة وإتقان العمل تحمي المجتمع من الداخل.
وتلك، في تقديري، هي الرسالة الأهم في كلمة الرئيس السيسي في ذكرى المولد النبوي: أن بناء مصر لا يقوم فقط على ما نشيده من طرق ومدن ومصانع ومشروعات، على أهميتها، وإنما يقوم أيضًا على الإنسان، وعلى منظومة قيم تحكم علاقته بالعمل والوطن والدولة.
وحين تتحول هذه القيم إلى ممارسة يومية، يصبح الاحتفاء بسيرة النبي الكريم أكثر من ذكرى عزيزة نحتفل بها كل عام؛ يصبح دعوة لأن نحول الأخلاق إلى عمل، والعمل إلى بناء، والبناء إلى وطن أقوى.









