د. ياسمين علي ماهر تكتب: الاحتراق الوظيفي… الثمن الذي تدفعه المؤسسات بصمت

في عصرٍ تتسارع فيه التكنولوجيا بصورة غير مسبوقة، وتتغير فيه نماذج الأعمال باستمرار، أصبح السباق بين المؤسسات لا يقتصر على امتلاك أحدث التقنيات أو توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بل يمتد إلى البحث عن أعلى مستويات الكفاءة والإنتاجية والقدرة على المنافسة. ورغم أهمية هذه التحولات، فإن كثيرًا من المؤسسات يغفل حقيقة جوهرية مفادها أن التكنولوجيا، مهما بلغت من التطور، لا تستطيع أن تحقق النجاح بمفردها، لأن الإنسان سيظل المحرك الحقيقي للابتكار، وصانع القرار، وقائد التغيير.
لقد أحدث التحول الرقمي نقلة نوعية في أساليب العمل، وفتح آفاقًا واسعة لزيادة الإنتاجية وتسريع الإنجاز، لكنه في المقابل فرض تحديات جديدة على العنصر البشري. فلم تعد ساعات العمل تنتهي بانتهاء الدوام الرسمي، بل أصبحت الرسائل الإلكترونية، والاجتماعات الافتراضية، والإشعارات المتواصلة تلاحق الموظف في كل وقت، حتى تلاشت تدريجيًا الحدود الفاصلة بين الحياة المهنية والحياة الشخصية. ومع استمرار هذا النمط من العمل، يبدأ الإنسان في استنزاف طاقته النفسية والذهنية دون أن يدرك، إلى أن يصل إلى مرحلة يفقد فيها الحماس والدافعية والقدرة على الإبداع، وهي الحالة التي يُطلق عليها الاحتراق الوظيفي.
ولا يظهر الاحتراق الوظيفي بصورة مفاجئة، بل يتسلل بهدوء إلى بيئة العمل. يبدأ بإرهاق متكرر، ثم يتحول إلى شعور دائم بالتعب، يعقبه انخفاض في الدافعية وجودة الأداء، ثم يفقد الموظف تدريجيًا ارتباطه بعمله وشغفه بما يقدمه. وهنا لا تقتصر الخسارة على الموظف وحده، بل تمتد آثارها إلى فريق العمل والمؤسسة بأكملها، فتنعكس في انخفاض الإنتاجية، وارتفاع معدلات الأخطاء والغياب، وتراجع الابتكار، وزيادة دوران العاملين، وفقدان الكفاءات التي استثمرت المؤسسة سنوات في إعدادها.
ومن أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعًا الخلط بين الإرهاق المؤقت والاحتراق الوظيفي. فالإرهاق قد يكون نتيجة فترة عمل مكثفة أو مشروع استثنائي، ويمكن تجاوزه بالراحة أو بإعادة تنظيم العمل، أما الاحتراق الوظيفي فهو حالة أعمق من الاستنزاف النفسي والذهني، يفقد معها الموظف إحساسه بقيمة ما يقدمه، وتتراجع رغبته في المبادرة والابتكار، وقد يصبح حاضرًا في مكان عمله بجسده، لكنه غائب بفكره ومشاعره، وهو ما يُعد من أخطر أشكال الهدر الذي قد تتعرض له المؤسسات.
ولا يرتبط الاحتراق الوظيفي بكثرة العمل وحدها، كما يعتقد البعض، بل يرتبط بدرجة أكبر بجودة بيئة العمل. فالإنسان يستطيع تحمل ضغوط كبيرة عندما يشعر بالعدالة، والتقدير، والثقة، ووضوح الأهداف، وتوافر فرص النمو والتطور. أما عندما تغيب هذه المقومات، وتسود ثقافة اللوم والخوف، أو تتداخل المسؤوليات، أو يصبح الإنجاز واجبًا لا يقابله تقدير، فإن بيئة العمل تتحول تدريجيًا إلى مصدر دائم للاستنزاف، مهما كانت المزايا المادية أو الإمكانات التقنية المتاحة.
ومع انتشار أنماط العمل الهجين والعمل عن بُعد، ازدادت هذه التحديات تعقيدًا. فقد منحت التكنولوجيا المؤسسات مرونة غير مسبوقة، لكنها في الوقت ذاته جعلت كثيرًا من الموظفين يشعرون بأن يوم العمل لا ينتهي، وأنهم مطالبون بالاستجابة للرسائل والاجتماعات في أي وقت. وهنا تكمن المفارقة؛ فالأدوات التي صُممت لتسهيل العمل قد تتحول إلى أحد أسباب إنهاك الإنسان إذا لم تُستخدم في إطار سياسات واضحة تحترم حق الموظف في التوازن بين حياته المهنية والشخصية.
ومن هنا، لم يعد الاحتراق الوظيفي مجرد قضية تتعلق بصحة الموظف النفسية، بل أصبح تحديًا استراتيجيًا يمس قدرة المؤسسات على الاستمرار والنمو. فالمنظمات التي تنجح في إدارة طاقات موظفيها هي الأكثر قدرة على تحقيق نتائج مستدامة، لأنها تدرك أن الاستثمار الحقيقي لا يكون في التقنيات والأنظمة وحدها، وإنما في الإنسان الذي يوظف هذه التقنيات ويحولها إلى قيمة مضافة وإنجاز حقيقي.
ولا تنشأ ظاهرة الاحتراق الوظيفي من فراغ، بل هي نتيجة لتراكمات يومية قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تترك أثرًا عميقًا مع مرور الوقت. فالضغوط المهنية في حد ذاتها ليست مشكلة، بل قد تكون حافزًا للإنجاز عندما تصاحبها قيادة داعمة، وعدالة في توزيع الأعباء، ووضوح في الأهداف، وفرص للتعلم والتطور. أما عندما تتحول الضغوط إلى حالة مستمرة لا يجد فيها الموظف فرصة للتعافي أو يشعر خلالها بأن جهوده لا تحظى بالتقدير، فإنها تصبح بيئة خصبة لظهور الاحتراق الوظيفي.
ومن الأخطاء الشائعة داخل بعض المؤسسات النظر إلى الاحتراق الوظيفي باعتباره مسؤولية فردية، بينما تؤكد الدراسات والتجارب العملية أنه انعكاس مباشر لبيئة العمل والثقافة التنظيمية وأسلوب القيادة. فالمؤسسات التي تبني بيئة قائمة على الثقة والاحترام والعدالة والشفافية، تكون أكثر قدرة على المحافظة على طاقات موظفيها، وتحقيق مستويات أعلى من الأداء والالتزام والانتماء.
وقد تبدو تكلفة الاحتراق الوظيفي غير مرئية في بدايتها، لكنها تُعد من أكثر التكاليف استنزافًا للمؤسسات على المدى الطويل. فحين يفقد الموظف طاقته، لا تتراجع إنتاجيته فقط، بل تنخفض جودة القرارات، ويضعف الابتكار، وتزداد الأخطاء، وترتفع معدلات الغياب والاستقالات، كما تخسر المؤسسة خبرات تراكمت عبر سنوات من الاستثمار في التدريب والتطوير. ولهذا لم يعد الاحتراق الوظيفي قضية إنسانية فحسب، بل أصبح قضية اقتصادية واستراتيجية تؤثر بصورة مباشرة في القدرة على النمو والاستدامة.
ولا تتوقف آثار الاحتراق الوظيفي عند حدود الفرد، بل تمتد إلى فرق العمل بأكملها. فالموظف المستنزف يصبح أقل قدرة على التعاون، وأضعف استعدادًا للمبادرة، بينما تنتقل مشاعر الإحباط تدريجيًا إلى المحيطين به، فتتراجع روح الفريق، ويحل الأداء الروتيني محل الإبداع، وتفقد الثقافة التنظيمية أحد أهم مقوماتها، وهو الشعور بالانتماء.
وقد أدركت المؤسسات العالمية الرائدة هذه الحقيقة مبكرًا، فلم تعد تنظر إلى رفاهية الموظف باعتبارها ميزة إضافية، وإنما باعتبارها استثمارًا مباشرًا في نجاح الأعمال. ولذلك أصبحت برامج الصحة النفسية، والمرونة في العمل، والتعلم المستمر، وبناء القيادات الداعمة، جزءًا أساسيًا من استراتيجيات إدارة رأس المال البشري، إدراكًا منها أن الموظف الذي يشعر بالتقدير والثقة هو الأكثر قدرة على الابتكار وتحقيق النتائج المستدامة.
ومن واقع خبرتي الأكاديمية والمهنية، وما توصلت إليه نتائج دراستي لنيل درجة الدكتوراه حول أثر ممارسات إدارة الموارد البشرية الفعالة في تحقيق التوازن بين العمل والحياة، يتضح أن دور إدارة الموارد البشرية لم يعد يقتصر على التوظيف أو التدريب أو إدارة الأداء، بل أصبح يمتد إلى تصميم بيئة عمل صحية تحقق التوازن بين متطلبات الوظيفة واحتياجات الإنسان.
فعندما يشعر الموظف بأن المؤسسة تهتم بصحته النفسية، وتستمع إلى تحدياته، وتوفر له قيادة داعمة وفرصًا حقيقية للنمو، يزداد ارتباطه بعمله، وترتفع إنتاجيته، ويصبح أكثر استعدادًا لمواجهة التغيرات. أما عندما يغيب هذا التوازن، فإن المؤسسة لا تخسر موظفًا واحدًا فحسب، بل تخسر جزءًا من رأس مالها الفكري، وقدرتها على الابتكار، وميزتها التنافسية.
ولهذا لم تعد إدارة الموارد البشرية جهة تُعنى بالإجراءات الإدارية فقط، بل أصبحت شريكًا استراتيجيًا في صناعة مستقبل المؤسسة. فمن خلال مؤشرات الارتباط الوظيفي، وتحليلات الموارد البشرية، وقياس معدلات الغياب ودوران العاملين، واستطلاعات الرأي، أصبح بالإمكان اكتشاف بوادر الاحتراق الوظيفي في مراحل مبكرة، واتخاذ الإجراءات الوقائية قبل أن تتحول إلى خسائر يصعب تعويضها.
وفي ظل هذه التحديات، لم يعد السؤال الذي ينبغي أن يشغل قادة المؤسسات هو: كيف نزيد ساعات العمل؟ أو كيف نرفع الإنتاجية بأي ثمن؟ بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: كيف نبني بيئة عمل تحقق أداءً مرتفعًا دون أن تستنزف الإنسان؟ فالمؤسسات التي ستقود المستقبل ليست بالضرورة الأكثر امتلاكًا للتكنولوجيا، وإنما الأكثر قدرة على تحقيق التوازن بين متطلبات الأداء واحتياجات الإنسان.
ومن هنا، فإن الوقاية من الاحتراق الوظيفي أقل تكلفة بكثير من علاجه. فترسيخ ثقافة تنظيمية تقوم على الثقة والعدالة والتقدير، وتمكين القيادات من تبني أساليب قيادة إنسانية، والاستثمار في الصحة النفسية للعاملين، والاستفادة من تحليلات الموارد البشرية لرصد المؤشرات المبكرة، لم تعد رفاهية تنظيمية، بل أصبحت ضرورة لضمان استدامة الأعمال والحفاظ على رأس المال البشري.
وأؤمن بأن إدارة الموارد البشرية في عصرنا الحديث لم تعد إدارة للأفراد بقدر ما أصبحت إدارة للطاقة البشرية. فالموظف لا يمنح المؤسسة وقته وجهده فحسب، بل يقدم فكره، وخبراته، وإبداعه، وشغفه، وهي موارد يصعب تعويضها إذا تعرضت للاستنزاف. ولذلك فإن نجاح المؤسسات في المستقبل سيُقاس بقدرتها على الحفاظ على طاقات موظفيها بقدر ما يُقاس بقدرتها على تحقيق الأرباح.
وتؤكد نتائج دراستي لنيل درجة الدكتوراه أن ممارسات إدارة الموارد البشرية الفعالة، القائمة على تحقيق التوازن بين العمل والحياة، وتعزيز العدالة التنظيمية، ودعم القيادة الإيجابية، تسهم بصورة مباشرة في رفع مستويات الرضا الوظيفي والالتزام التنظيمي، وتحسين الأداء المؤسسي، والحد من الآثار السلبية للضغوط المهنية. وهو ما يعزز قناعة بأن الاستثمار في الإنسان ليس خيارًا، بل ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة بيئة الأعمال الحديثة.
ورغم ما حققته التكنولوجيا من تطور هائل، فإنها ستظل أداةً تدعم العمل ولا يمكن أن تحل محل الإنسان. فهي قادرة على تسريع العمليات، وتحليل البيانات، ودعم اتخاذ القرار، لكنها لا تستطيع أن تصنع الانتماء، أو تبني الثقة، أو تلهم موظفًا فقد شغفه بعمله. وستظل هذه المسؤولية في يد قيادة واعية، وثقافة تنظيمية صحية، وإدارة موارد بشرية تؤمن بأن الإنسان هو الأصل الذي تُبنى عليه جميع الأصول الأخرى.
ولهذا، أوجه رسالة إلى كل قائد ومدير ومسؤول: لا تنتظر استقالة أحد موظفيك حتى تكتشف أنه كان يعاني في صمت، ولا تجعل مؤشرات الأرباح تحجب عنك مؤشرات الإرهاق والاستنزاف داخل فرق العمل. فالمؤسسات العظيمة لا تُبنى بالأرقام وحدها، وإنما تُبنى بالإنسان الذي يقف خلف هذه الأرقام ويحولها إلى إنجازات.
لقد أثبتت التجارب، وأكدت نتائج البحوث العلمية، أن الاستثمار في الإنسان هو القرار الإداري الأكثر حكمة، والأعلى عائدًا، والأكثر استدامة. فكل مؤسسة تحافظ على صحة موظفيها النفسية والجسدية، وتعزز انتماءهم وشغفهم، إنما تؤسس لمستقبل أكثر استقرارًا، وأكثر ابتكارًا، وأكثر قدرة على المنافسة.
وفي النهاية، قد تغيّر التكنولوجيا طريقة العمل، لكنها لن تغيّر حقيقة واحدة ستظل ثابتة: أن الإنسان هو من يصنع قيمة العمل. وإذا أردنا مؤسسات قادرة على النجاح في المستقبل، فعلينا أن نبني بيئات عمل تحمي الإنسان قبل أن تطلب منه المزيد من العطاء، لأن الإنسان ليس مجرد أحد موارد المؤسسة… بل هو المؤسسة نفسها.
—-
خبيرة واستشارية إدارة الموارد البشرية









