راندا الهادي تكتب: بفلوس بابا

لعل الجملة التي جاءت على لسان الفنان أحمد سعد في إحدى الحملات الإعلانية عندما قال: ” بفلوسي ، بفلوسي، واللي معاك دي فلوس بابا” ، لم تمر على الأذن مرور العابرين ، بل لفتت انتباهي إلى كارثة محققة تهدد المجتمع المصري في قطاع التعليم الجامعي الخاص وبالتحديد التخصصات الطبية .
في الماضي القريب كان دخول كليات القطاع الطبي من الإنجازات الباهرة ، بل كان ينظر لها جيلنا وما سبقه على أن صاحبها من العباقرة الأكفاء ، ولما لا ؟! ومسيرته التعليمية في السنوات السابقة لدخوله الطب كانت مؤشرًا واضحًا على النباهة والذكاء والتفوق ، لدرجة أن الحاصل على تلك الفرصة لدخول كليات القطاع الطبي كان قادرًا على تغيير النظرة الإجتماعية لأسرته كاملًة ، بل ونقلها من مستوى إلى مستوى أعلى في الترتيب الإجتماعي ، ولعلنا لا ننسى قول جداتنا بتباهي عن إحداهن : بأن ابنها أو ابنتها طبيبة .
وبالتوازي مع استحقاق النابه المتفوق فقط لبطاقة الدخول لحرم الصروح الطبية التعليمية العريقة في مصر ، كانت سمعة الطب والأطباء المصريين في ذروتها وأوجها ، وكان الطبيب المصري في أي دولة عربية قبلة لاتتغير لأشقائنا العرب في تلك الدول ، بل كانت السياحة الطبية في مصر تشهد أزهى عصورها ، حيث تأتي الأسرة العربية للاستجمام والترفيه وأيضا العلاج لدى الأطباء المصريين ، حيث كانوا كريمة المجتمع الطبي العربي .
حتى ظهر التعليم الجامعي الخاص واعتمد الطب كأحد التخصصات الأصيلة في هيكله التعليمي ، لتبدأ المنظومة الطبية في مصر والسمعة الرفيعة لهذا التخصص في الانهيار التدريجي ، وهنا أعود إلى جملة الفنان أحمد سعد ” اللي معاك دي فلوس بابا ” ، لأن معيار دخول الكليات الطبية أصبح انعكاسًا لقدرتك المادية لا لاستعداد الطالب أو الطالبة الأكاديمي لهذه الكليات ، فما منعه مكتب التنسيق في السابق أباحته مجالس إدارة الجامعات الخاصة وفقا لقدرة( بابا )على الدفع ، وهذا ما أوصلنا لنتائج كارثية .
تأثر القطاع الطبي بالكامل في مصر بشكل سلبي ، سمعة الأطباء المصريين بدأت في التراجع المخيف ، لم يعد الطبيب المصري هو قطعة الألماظ الثمينة في الدول العربية ، تزايدت اشتراطات تلك الدول لقبول عمل أطباء مصريين بها ، فضلا عن فضيحة رسوب دفعات كاملة في كليات الطب الخاصة مؤخرا ، وتحول دراسة الطب في بعض تلك الكليات إلى دراسة نظرية بسبب عدم توافر الإمكانيات اللازمة للتدريب العملي في المستشفيات .
مما لا شك فيه أن هناك من أغمض عينيه عن اشتراطات مهمة وحتمية لاحتواء هذه المؤسسة الجامعية الخاصة على تخصص الطب بين جنباتها ، وقدّم تحصيل الدفعات المالية على توفير المعامل والمستشفيات والكوادر الأكاديمية .
الطب المصري تاريخ وتراث يرتقي إلى مقام الكنوز التي يجب الحفاظ عليها وإثرائها ، لذا وجبت الصحوة الآن وليس غدًا لإنقاذ الطب في مصر من مصيدة فلوس (بابا) .










