مقالات الرأى

السيد خلاف يكتب : الشرق الأوسط..بين لحظة الصفر ومخاض حرب بلا حدود !!

تتجه الأوضاع في الشرق الأوسط نحو نقطة تصادم غير مسبوقة، بعدما تجاوزت الأزمة الأمريكية-الإيرانية مرحلة التهديدات المتبادلة، لتأخذ مسارًا ميدانيًا يهدد الأمن الإقليمي وشرايين الطاقة العالمية. فقد تجسد هذا التحول مع استهداف منفذ العبدلي الحدودي بسرب من الطائرات المسيّرة، وما أعقبه من استجابة عسكرية سريعة لتأمين الموقع ورفع آثار الهجوم، في مؤشر يعكس انتقال الصراع تدريجيًا من ساحات الردع السياسي إلى ساحات الاشتباك الميداني.
ولا تبدو هذه الواقعة معزولة عن السياق العام، بل تأتي ضمن سلسلة من التطورات المتسارعة التي تعزز فرضية دخول المنطقة مرحلة أكثر خطورة.
فقد شهدت إسرائيل إجراءات استثنائية لرفع مستوى الجاهزية المدنية والعسكرية، شملت توسيع الاستعدادات في عدد من المدن والمنشآت الحيوية، بالتزامن مع مؤشرات على تكثيف حركة النقل الجوي العسكري الأمريكي باتجاه الشرق الأوسط، إلى جانب تحركات دبلوماسية اتخذتها بعض الدول، شملت تقليص وجودها الدبلوماسي أو إصدار تنبيهات لرعاياها تحسبًا لاحتمالات اتساع دائرة المواجهة.

وبغض النظر عن تفسير كل إجراء على حدة، فإن اجتماع هذه المؤشرات في توقيت واحد يلفت الانتباه،وسلسلة الإجراءات العسكرية والأمنية واللوجستية التي تتم تعكس استعداد الأطراف لسيناريوهات تتجاوز حدود التصعيد التقليدي.
وفي المقابل، يبدو أن طهران تسعى إلى نقل رسالة واضحة مفادها أن استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية عليها لن يمر دون كلفة إقليمية بتعطيل الملاحة وتهديد تدفقات الطاقة، وربط أمن صادرات النفط باستمرار قدرتها على التصدير، تدعم فرض إيران معادلة ردع جديدة قوامها أن أمن الخليج لم يعد منفصلًا عن أمنها الاقتصادي، وأن أي محاولة لخنقها قد تنعكس مباشرة على استقرار أسواق الطاقة والممرات البحرية.
من هنا، لم يعد ما يجري بين الولايات المتحدة وإيران مجرد تصعيد عسكري متبادل أو جولة جديدة من الصراع المزمن بين الطرفين، بل يبدو – في تقديري – بداية لمرحلة مختلفة تمامًا، تتجاوز منطق «الرد والرد المضاد» إلى صراع أوسع على إعادة تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط عبر القوة العسكرية.
ومن يتابع التطورات الأخيرة بعيدًا عن التصريحات السياسية يلاحظ أن حجم الحشد العسكري الأمريكي، وطبيعة الانتشار البحري والجوي، ورفع درجات التأهب في القواعد الأمريكية، واتساع نطاق التنسيق مع الحلفاء، كلها مؤشرات يصعب تفسيرها باعتبارها استعدادًا لرد محدود أو عملية تكتيكية قصيرة.

ومن هنا، أري أن واشنطن لا تتحرك فقط لإدارة الأزمة، وإنما لإبقاء جميع الخيارات العسكرية مفتوحة، بما فيها احتمال تنفيذ عملية واسعة متعددة المحاور إذا رأت أن الظروف السياسية والعسكرية أصبحت مواتية لذلك،وهذه القراءة لا تستند إلى تصريح واحد، وإنما إلى تراكم مؤشرات ميدانية وسياسية.

الإعداد للحروب الكبري تكشفها حركة الأساطيل، وانتشار القوات، ورفع الجاهزية، وتوسيع شبكات الدعم اللوجستي، والرسائل السياسية المتبادلة بين القوى الكبرى.

ويكتسب المشهد بعدًا أكثر تعقيدًا مع اتساع الحديث عن توظيف القواعد العسكرية الحليفة لتقديم الدعم اللوجستي والعملياتي للقوات الأمريكية، وإذا اتسع هذا النمط من التعاون، فإن أي مواجهة مقبلة قد لا تبقى محصورة بين واشنطن وطهران، بل قد تتحول إلى صراع متعدد الجبهات تتداخل فيه أدوار قوى إقليمية ودولية بدرجات متفاوتة.

وفي المقابل، تبدو إيران وكأنها تستعد لهذا الاحتمال ورفع الحرس الثوري درجة الجاهزية، والتلويح باستخدام أوراق الضغط المرتبطة بمضيق هرمز وتدفقات الطاقة، يعكسان استعدادًا لاتباع استراتيجية تقوم على توسيع مسرح العمليات ورفع كلفة أي مواجهة إلى أقصى حد.

وهنا أصل إلى الفرضية الأساسية لهذا المقال: إذا وقع هجوم واسع، فلن يكون الهدف تدمير منشآت عسكرية أو نووية فقط، بل فرض واقع إستراتيجي جديد في الشرق الأوسط، يعيد رسم خرائط النفوذ، ويعيد توزيع موازين الردع، ويفرض ترتيبات أمنية تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط والبحر الأحمر.

ولا أستبعد، في هذا السياق،أن تكون الدوائر العسكرية قد وضعت ودرست سيناريوهات لفتح أكثر من محور عمليات في توقيت متزامن، بهدف تشتيت القدرات الدفاعية الإيرانية وتعقيد خيارات الرد.
ولا يعني ذلك أن قرار التنفيذ قد اتُخذ، لكنه يظل أحد السيناريوهات التي تفرضها طبيعة الحشد العسكري واتجاهاته بقوة.
ومع ذلك، فإن أخطر ما في هذا السيناريو لا يكمن في الضربة الأولى، بل في اليوم التالي لها، فإذا اتسعت المواجهة، فقد تنظر إيران إلى أي دعم عسكري أو لوجستي يقدم لخصومها باعتباره جزءًا من منظومة الهجوم، وهو ما قد يدفعها إلى توسيع نطاق الرد، بما يطال بريطانيا ويجر الناتو وتتحول من حرب إقليمية كبرى إلى حرب عالمية تتجاوز كل الحدود ويصعب احتواء تداعياتها.
لهذا، يقف الشرق الأوسط أمام لحظة فارقة، فإذا كانت السنوات الماضية قد شهدت حروبًا بالوكالة، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقالًا إلى مواجهات مباشرة أكثر اتساعًا، يكون عنوانها إعادة صياغة النظام الإقليمي، أو ميلاد نظام عالمي جديد بالقوة لا عبر التفاوض.
إن أخطر ما يواجه الشرق الأوسط اليوم هو احتمال أن تكون جميع الأطراف قد وقعت في هذا الفخ الاستراتيجي، وعندها لن يكون السؤال: من أطلق الشرارة الأولى؟ بل: هل كان بالإمكان منع الحريق قبل أن يلتهم المنطقة بأسرها؟

ويبقى السؤال الأهم: هل لا تزال هناك فرصة لاحتواء التصعيد قبل بلوغ نقطة اللاعودة، وتتحول إلى حرب عالمية ؟ أم أن المنطقة أصبحت بالفعل على أعتاب حرب بلا هوادة، قد تعيد رسم خريطتها السياسية والأمنية لعقود قادمة؟ ويتوقف لهيبها قبل أن تتحول إلي حرب عالمية ثالثة؟

زر الذهاب إلى الأعلى