صفوت عباس يكتب: (الذهب.. تصحيح موجع واجب لواقع خاطئ)

الذهب.. الساحر الأصفر، آخذ اللب، خاطف البصر، الملاذ الآمن، مخزن القيمة، صانع الثروة والثراء، معشوق النساء، مثار التشدق والخلاف في شبكة العروس، ملك الحُلي، ورصيد البيوت والبنوك المركزية.
ولع المصريون قديماً بالذهب، وعُرِفوا باستخراجه واستخلاصه وصناعته وصياغته، وتشهد بذلك آثارهم وتماثيل وأقنعة ملوكهم.
سجّلت بردية تورين (1150 ق.م) — التي تُعد أقدم خريطة جيولوجية وطبوغرافية معروفة في التاريخ — معلومات أساسية عن مناجم الذهب الفرعونية في منطقة الفواخير بطريق قنا-القصير، وارتبطت بها ارتباطاً مباشراً.
ويشهد طريق إدفو-مرسى علم بوجود آثار تدل على بدء العمل في مناجم البرامية والسكري منذ العصور الفرعونية والبطلمية والرومانية. وقد جرى التنقيب عن الذهب واستخراجه في المناطق الغنية المذكورة في عهد الاحتلال الإنجليزي، ثم أُعيد إحياء منجم السكري وافتتاحه عام 2010 بشراكة مصرية-أسترالية عبر شركة سنتامين، وما زال يعمل حتى الآن.
بعد عام 2011، قدم السودانيون بخبرات التعدين الأهلي، وعملوا مع مصريين في استخراج عشوائي للذهب في المناطق الغنية بخام الذهب، من الحدود الجنوبية بجبال البحر الأحمر وحتى مناطق رأس غارب. مارسوا النشاط عبر أجهزة كشف المعادن، أو بتكسير عروق المرو، ثم عبر الطواحين المائية، وتطور الأمر إلى الاستخلاص الكيميائي باستخدام أحواض السيانيد التي انتشرت بأعداد تجاوزت الآلاف في الظهير الصحراوي القريب من مصادر المياه والطرق والخدمات في مراكز محافظتي أسوان وقنا.
شكّل هذا الوضع غير القانوني — استخراج الأحجار الحاملة للذهب من مناطق الخامات ونقلها إلى مناطق الاستخلاص — أمراً واقعاً وصناعة حقيقية يعمل بها مئات الآلاف من السكان المحليين. أصبحت هذه المناطق مراكز جذب للعاملين في النقل وتشغيل معدات الحفر، وساهم هذا النشاط في الحد من البطالة والتعطل، وحقق أرباحاً ومصادر رزق وثروة تتراوح بين الهائلة والمعقولة للمجتمع الحاضن والعاملين في المجال، وأدى إلى رواج تجاري لا يمكن إنكاره.
المسيطرون على مناطق الاستخراج ـ بزعم أنهم من السكان الأصليين أو السابقين الي وضع اليد ـ ويتقاضون إتاوات مجزية من العاملين فقط لأنهم «أصحاب المكان»، وتتفاوت قيمة الإتاوة حسب غنى الصخور بالذهب. ورغم فساد المنظومة كلها، إلا أن تراضياً حدث بين أطراف العملية، فسارت الأمور بنفع للجميع: من أنفق الجهد والمال، ومن اكتفى بأنه صاحب المكان. ولم يخلُ العمل من مخاطر التعرض للمساءلة القانونية والمداهمات الأمنية ومصادرة المعدات، لكن الحال استمر بأي حال.
مؤخراً، قامت حملة أمنية مكبرة أُعلن أنها تهدف إلى تحقيق الأمن القومي، ومنع التسلل عبر الحدود الجنوبية الشرقية، وصيانة المقدرات والثروات الوطنية. أسفرت الحملة عن وقف تام وشلل كامل لنشاط التعدين الأهلي، خوفاً من وقوع العاملين تحت طائلة القانون، أو تعرضهم لخسائر في الأرواح والمعدات.
تزامنت الحملة مع طرح قامت به هيئة الثروة المعدنية بعرض مناطق خامات الذهب في مناقصة مفتوحة، لم تتوافق شروطها الفنية والمالية مع قدرات العاملين في النشاط العشوائي، نظراً لكبر مساحات الطرح وحاجتها إلى ملاءة مالية وقدرات فنية عالية. وعلى إثر ذلك، بدأ العاملون في المجال بالبحث عن حلول تضمن استدامة قانونية للنشاط، وتؤمنه مع ضمان الريع الناتج عنه، والذي شكّل واقعاً اقتصادياً واجتماعياً لا يمكن إنكاره، وعف الآلاف من الأسر عن الحاجة، وحقق رواجاً وقضى على البطالة في محيط النشاط.
هذا الأمر الواقع غير القانوني يحتاج إلى ضبط. وحسب رؤية العاملين في المجال، فإنهم يدفعون حالياً إتاوات فاحشة لواضعي اليد على أماكن الخامات، دون أن تحقق لهم على وضع قانوني أو تأمين أو استدامة. الأولي أن يذهب أقل منها إلى الدولة مقابل ضمان الاستدامة والحماية القانونية لهم مع خدمات فنيه وتسويقيه، وطُرحت أفكار مفادها أنه يجب طرح مناطق خاصة للتعدين الأهلي بعيداً عن المناقصات الكبرى، بما يستوعب أصحاب القدرات الأقل.
يمكن تقدير نشاط التعدين العشوائي ببنيته التحتية وأدواته بتريليونات الجنيهات، مولها العاملون في المجال ذاتياً، وقاموا بتطويرها وزيادتها. ويشكل إهدار هذا النشاط وتعطيله إهداراً لثروة شعب تشكل ثروة وطن، إذ يعمل باي حال في ضخ قيمة مضافة من تعظيم قيمة الصخر وتحويله إلى ذهب يدور في السوق المحلي ويصب في نهايته، ويشكل واقعاً اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً يجب معالجته بحكمة بالغة.
تصحيح الخطأ بات ضرورياً بأي حال وأي تكلفة وأي ألم ممكن، حتى يصبح النشاط آمناً ونامياً، صائنا…










