دكتور طارق هلال يكتب: ألف ليلة وليلة… ولكنها مصرية

كان يا ما كان…جلس عجوز في أحد المقاهي، يلتف حوله الصغار والكبار، وقال بصوتٍ هادئ: “تعرفون… سيأتي يوم تبني فيه مصر مدينة لا تشبه المدن”. ضحك أحد الجالسين وقال: “احكيلنا غيرها يا عم…” فاكتفى العجوز بابتسامة… وكأن الزمن كان يعرف ما لا يعرفون.
وكن يا ما كان…
سأل طفل أباه، وهما يعبران الصحراء: “هو فيه حد يقدر يعيش هنا؟”، نظر الأب إلى الأفق وقال: “ليس اليوم… ولكن سيأتي يوم تصبح فيه الرمال عنوانًا للعمران”. هز الطفل كتفيه، ومضى. أما الصحراء… فكانت تحفظ الوعد.
وكان يا ما كان…
دخل معلم فصله الدراسي، ورسم على السبورة بندقية… ثم بجوارها عقلاً. تعجب التلاميذ. فقال: “سيأتي زمن تصبح فيه المعرفة أقوى من الرصاص، والعلم جزءاً من الأمن، والتكنولوجيا أحد أسلحة الأوطان”. ابتسم بعضهم…لكن المستقبل لم يبتسم…بل أثبت.
وكان يا ما كان…
وقف صياد على الشاطئ، وقال: “البحر لا يحمل الأمواج فقط… بل يحمل الأرزاق أيضاً”. ضحك رفاقه. ثم مرت الأعوام…وأصبحت الموانئ أبواباً تعبر منها التجارة، قبل السفن.
وكان يا ما كان…
رسم طفل على التراب دائرة كبيرة. سأله جده: “إيه دى؟”، قال الصغير: “دى مدينة… وأنا هبنيها لما أكبر”. ربت الجد على رأسه وهو يبتسم. ولم يكن يعلم…أن الأمم تبدأ أحياناً بخط صغير رسمه طفل.
وكان يا ما كان…
قال شيخ وقور يجلس أمام داره: “القوة ليست أن تدخل كل معركة…القوة أن تجعل أعداءك يعيدون التفكير ألف مرة قبل أن يقتربوا منك”. قال أحد الشباب: “دى حكم الأولين”. لكن الأيام…حولتها إلى عقيدة للدول.
وكان يا ما كان…
انتشرت بين الناس حكاية غريبة…عن حصن عظيم…لا تحرسه الأسوار وحدها…بل تحرسه العقول. وقالوا: “أكيد دى من حواديت ألف ليلة وليلة”. وظلت الحكاية تتردد… جيلاً بعد جيل.
ثم…استيقظنا…..فاكتشفنا أن بعض الحكايات لا تبدأ بـ”كان يا ما كان”…بل تبدأ حين يقرر شعب أن يحول الحلم إلى مشروع.
فاكتشفنا أن الرمال…قد تصبح مدناً، وأن الخطوط المرسومة على الورق…قد تصبح طرقاً وكباري، وأن الطفل الذي كان يرسم على التراب… قد يصبح عالماً أو مهندساً أو طبيباً أو معلماً أو قائدًا، وأن البحر…قد يصبح طريقاً للاقتصاد، وأن القوة… قد تبدأ من العلم قبل السلاح،
وبقيت حكاية واحدة…الحصن الذي قالوا عنه إنه مجرد خيال. ظل الناس يسألون: أين هو؟ وهل كان موجوداً أصلاً؟ حتى جاء يوم… ولم نعد نقرأ عنه في الحكايات… بل رأيناه أمام أعيننا. هناك…حيث يقف الأوكتاجون مركزاً لإدارة الدولة المصرية ومنظومة القيادة والسيطرة شاهداً على أن الأمم التي تخطط طويلاً، لا تبني مبنى فحسب… بل تبني رسالة.
وهنا فقط…فهمت لماذا ظل المصريون يعشقون الحكايات منذ آلاف السنين. لأنهم كانوا يعرفون سراً بسيطاً…أن الحكاية الجميلة ليست التي تقال…بل التي تتحقق.
أسدل الستارعلى الحكاية… ثم اكتشفنا أن أجمل ما فيها… أن مصر… لم تكن تطوي حكاية. بل كانت…تفتح صفحة جديدة من التاريخ. فاكتشفنا أن أجمل ما في “ألف ليلة وليلة”…أن بعض الحكايات تبدأ خيالاً…ثم تستيقظ ذات صباح…
لتجدها وطناً يبنى…وحلماً يتحقق…وواقعاً نعيشه.









