إيمان سعيد تكتب: سراج في عتمة لا تراها

ليس كل ضوءٍ يعلن عن نفسه، وليس كل معجزةٍ تُصفق لها الأيدي. هناك أنوارٌ تعمل في الخفاء، لا تترك خلفها ضجيجًا، لكنها تترك في الأرواح أثرًا لا يمحوه الزمن.
كم مرةٍ مررت على إنسانٍ وهو يبتسم لك، ولم تعلم أن تلك الابتسامة كانت تخفي حربًا كاملة؟ كم مرةٍ ظننت أن كلماتك كانت حديثًا عابرًا، بينما كانت بالنسبة لقلبٍ أنهكه التعب نافذةً دخل منها الهواء بعد اختناقٍ طويل؟ نحن نعيش بين بشرٍ يحمل كل واحدٍ منهم قصةً لا يرويها، وألمًا لا يعلنه، ومعركةً يخوضها بصمت حتى لا يثقل بها أحدًا.
ولهذا، لا تقِس قيمة نفسك بما تسمعه من مديح، ولا بما تراه من تقدير. فهناك أدوارٌ عظيمة لا يشهدها إلا الله. قد تكون سببًا في أن ينام شخصٌ مطمئنًا بعد ليلةٍ من الخوف، أو أن يستعيد ثقته بنفسه بعدما كادت الحياة تنتزعها منه، أو أن يؤمن أن الدنيا ما زال فيها خير لأنك كنت جزءًا صغيرًا من يومه.
ليس مطلوبًا منك أن تغيّر العالم، فالعالم لا يتغير دائمًا بالأفعال الضخمة. أحيانًا يتغير بنبرة صوتٍ حانية، أو كلمةٍ صادقة، أو يدٍ امتدت في الوقت المناسب، أو قلبٍ اختار الرحمة حين كان قادرًا على القسوة. الأشياء العظيمة تبدأ غالبًا بما يراه الناس بسيطًا.
واعلم أن أكثر الناس احتياجًا للنور هم أولئك الذين أتقنوا إخفاء عتمتهم. الذين يضحكون كثيرًا، ويطمئنون الجميع، ويقولون دائمًا إنهم بخير، بينما في الداخل يقاومون انهيارًا لا يسمعه أحد. هؤلاء لا يحتاجون إلى معجزات، بل إلى إنسانٍ يشعر بهم قبل أن يتكلموا، ويعاملهم بلطفٍ لا يسأل عن أسبابه.
لا تؤجل الكلمة الطيبة، ولا تؤخر الاعتذار، ولا تبخل بالاحتواء، ولا تعتقد أن الرحمة تُنقص من هيبتك. فالقلوب لا تتذكر كم كنت قويًا، لكنها تتذكر دائمًا كيف جعلتها تشعر، وكيف كنت حاضرًا حين غاب الجميع.
وربما لن تعرف أبدًا أن دعوةً خرجت لك من قلبٍ مكسور كانت سببًا في أن يفتح الله لك أبوابًا لم تتوقعها. وربما لن يخبرك أحد أنك كنت الفارق بين اليأس والأمل، وبين الاستسلام والمحاولة الأخيرة. فليس كل جميلٍ يُروى، وليس كل جميلٍ يُرد إليه الفضل.
لهذا، لا تستصغر أثر حضورك، ولا تظن أن الخير يضيع لأنه لم يُشكر. فالشمس لا تطلب تصفيقًا كل صباح، والمطر لا ينتظر ثناءً ليهطل، والسراج لا يسأل من الذي اهتدى بنوره. يكفيه أنه بدّد شيئًا من الظلام.
فابقَ كما أنت… إنسانًا يختار اللين حين ينتشر الجفاء، ويختار الكلمة الطيبة حين يعلو الصخب، ويختار الرحمة حين تصبح القسوة عادة. فقد تكون في حياة شخصٍ لا تعرفه… النور الوحيد الذي منعه من أن يغرق في عتمةٍ لم يرها أحد.
لأن بعض السُّرج لا تُخلَّد بأسمائها… بل بالأرواح التي أنقذتها دون أن تدري…









