مقالات الرأى

‏صفوت عباس يكتب : ‏ ‏(عزام يعقوبيان نسخه لكل زمان )

‏صبغ المبدع الراحل وحيد حامد، كاتب سيناريو فيلم «عمارة يعقوبيان»، بصبغته المميزة التي تجعل الواقع يقفز من الشاشة، ويجعل المشاهد وكأنه موجود داخل الكادر السينمائي. وبحس مشاهد غير متخصص أظن أن الحبكة المثيرة صنعها السيناريو وكاتبه بالدرجة الأولى.

‏نموذج الحياة الذي عرضه الفيلم موجود ويتكرر بنفس الأشخاص والأفعال تقريبًا في كل زمان ومكان. نموذج زكي الدسوقي الذي يعيش على ذكريات مجد قديم، وحاتم رشيد، وعبد ربه الشاذان، وغيرهم من المتحرشين والسماسرة في كل شيء، والمسهلاتيات والغانيات، والبؤساء الذين يرتكبون الخطأ من أجل العيش، ومفسدي الحياة السياسية والعامة، والمتطرفين المختطفه عقولهم طوعا او قسرا والقمسيونجيه.

‏لكن الذي يعنينا هنا نموذج واحد يمثل «القادمين من الخلف»، الذين جعلتهم الثروة في صدارة كل المشاهد. والنموذج الذي جسده الفيلم بشكل بارز هو شخصية عزام، ماسح الأحذية الذي صعد إلى أعلى درجات الحياة الاقتصادية والسياسية.
‏وحتى لا يُفهم الحديث على أنه حقد اجتماعي_وهذا الدارج عند الحديث ونقد محدث أو قديم نعمه_، لكن الحديث عن ظاهرة الثروة الجديدة والأثرياء الجدد لا يعني رفض الغنى. فلا بأس أن يغتني أي إنسان، جبرًا أو اختيارًا، وأن يجد الجميع فيضًا من فضل الله.
‏لكن القادمين من طبقة البؤساء يوصفون يحملون في داخلهم إرثًا ثقيلًا من محدودية الثقافة والتعليم، ويفتقدون سلوكيات اتكيت الاكابر التي  مما يجعلهم محط أنظار وموضع سخرية من أبناء الطبقات العليا التي انتقلوا إليها، وحتى من زملائهم في طبقة البؤساء —موطنهم القديم— الذين لم يغادروها، فيتندرون عليهم بعبارات مثل: «افرح يا بيت عمرك ما ريت».

‏أن ينتقل عزام من ماسح أحذية إلى مالك سلسلة محلات، ثم إلى صاحب توكيلات ماركات شهيرة تدر أرباحًا ضخمة، يخفي فيها أنشطة غير مشروعة، ثم تنازعه أحلامه ليصبح نائبًا في أرقى الدوائر، ويضحي بالمال الطائل من أجل الحصانة التي تفتح له أبوابًا مغلقة وتمنحه حماية لنشاطه غير الشرعي، فهذا كله يعكس غريزة النهم للثروة والجاه مع نهم فسيولوجي للغرائز  التي قد تعوضه عن الاعوجاج النفسي الذي سبّبته له أيام البؤس.

‏ظاهرة عزام تكررت كثيرًا في الفعاليات الانتخابية الأخيرة، وأفرزت نسخًا منه في دوائر الضوء، لكنهم يبدون قاصرين في الأداء؛ لأنهم لا يملكون البريق الحقيقي اللازم لوضعهم الجديد، فيطفئون أنوارهم المصطنعه بأفواههم.

‏لا حرج في أن يتصرف عزام ليصل إلى أي قمة يحبها، فهذا لن يضر أبناء طبقته القديمة (البؤساء)، لأنهم يؤمنون بالقول الدارج: «اللي ما عندوش ما يلزموش»، و«اللي معاه كذب يصرف عليه».

‏أما أن تتحول نسخ عزام الموجودة بيننا إلى سلوك استهلاكي شرس وإنفاق بغير حساب على سلع يشاركهم فيها البسطاء كالسلع الغذائية، وقطع الأراضي، والمساكن لزوم الماوي وليس الاستثمار  فهذا يسبب إخلالًا وارتباكًا في جيوب خالية وفي اركان سوق لايرحم ويرفع بلا منطق أسعارًا طفشت أصلًا بسبب تصرفات نسخ عزام المنتشرة في كل مكان. فيصبح الأمر يحول بطون البسطاء إلى خواء، ويحول أحلامهم البسيطة في امتلاك اساسيات حياه إلى هباء.

‏السوق المتوحش أصلًا يصبح أكثر شراسة حين تغزوه نسخ عزام، ويصبح حال البؤساء حوله منطقة «شم ولا تذوق».

‏الصعود المادي مالم يصاحبه صعود سلوكي وقيمي وثقافي وعلمي وثبات ديني يشكل صعودا للهاويه التي تلتهم الجميع.

زر الذهاب إلى الأعلى