مقالات الرأى

عبد الله البلنوري يكتب : قلَّةُ الإصلاح وكثرةُ المدارس

لقد شهد العالم الإسلامي في العقود الأخيرة توسعًا ملحوظًا في أعداد المدارس والمعاهد والجامعات، حتى أصبحت المؤسسات التعليمية تنتشر في المدن والقرى انتشارًا واسعًا. وهذا في ظاهره أمرٌ محمودٌ يدل على الاهتمام بالعلم والتعليم، غير أن المتأمل في واقع المجتمعات يلحظ مفارقةً مؤلمة؛ وهي أن كثرة المدارس لم تُثمر بالقدر المطلوب إصلاحًا في الأخلاق والسلوك والتعامل، بل قد نجد ازديادًا في بعض صور الانحراف والتفكك وضعف الالتزام بالقيم.

إن التعليم الحقيقي ليس مجرد تلقين للمعلومات، ولا منح للشهادات، وإنما هو بناء للإنسان وصناعة للشخصية الصالحة. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مربّيًا قبل أن يكون معلّمًا، فربّى أصحابه على الصدق والأمانة والإخلاص والخشية من الله، فخرج جيلًا حمل رسالة الإسلام إلى العالم.

ومن أسباب ضعف أثر التعليم في الإصلاح أن كثيرًا من المؤسسات ركزت على الجانب الأكاديمي وأهملت الجانب التربوي والأخلاقي. فأصبح الطالب يحفظ العلوم ويجيد المهارات، لكنه قد يفتقر إلى مراقبة الله تعالى وحسن الخلق واحترام الحقوق. كما أن تأثير وسائل الإعلام الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي أصبح أقوى في بعض الأحيان من تأثير المدرسة والأسرة.

ولا شك أن الأمة تحتاج إلى مدارس كثيرة، ولكنها تحتاج قبل ذلك إلى مدارس تُخرّج رجالًا ونساءً صالحين، يجمعون بين العلم النافع والعمل الصالح. فالمقياس الحقيقي لنجاح التعليم ليس عدد المباني ولا كثرة الشهادات، وإنما مقدار ما يُحدثه من إصلاح في الفرد والمجتمع.

إن الإصلاح يبدأ بإصلاح القلوب، وغرس القيم، وربط العلم بالأخلاق، وإحياء الشعور بالمسؤولية أمام الله تعالى. فإذا تحقق ذلك أصبحت المدارس منارات للهداية ومصانع للفضيلة، وأثمرت علمًا نافعًا وإصلاحًا شاملًا.

عبد الله الثقافي الهندي
عميد كلية اصول الدين جامعة مركز

زر الذهاب إلى الأعلى