مقالات الرأى

السيد خلاف يكتب : جبهات النار الجديدة.. واشنطن وطهران على حافة المواجهة الكبرى!

في ضوء التطورات المتسارعة والاشتباكات المعلنة بين القوات الأمريكية والإيرانية في الخليج العربي ومضيق هرمز وبحر عُمان، وما رافقها من تقارير عن استهداف سفن حربية ومنشآت رادارية وإعلان طهران تشديد إجراءاتها في المضيق، فإن المنطقة تبدو أمام مرحلة جديدة من الصراع تتجاوز حدود “حرب الظل” إلى “حرب الجبهات المتعددة”.
فلم تعد المواجهة بين واشنطن وطهران مجرد أزمة دبلوماسية أو حرب عقوبات اقتصادية، بل تحولت خلال الأسابيع الأخيرة إلى صراع مفتوح متعدد المسارات والجبهات، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع رهانات الطاقة والممرات البحرية والنفوذ الإقليمي.
الاشتباكات العنيفة التي شهدتها مياه الخليج العربي ومضيق هرمز وبحر عُمان ليست أحداثاً معزولة، وإنما تمثل مؤشراً على انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر خطورة، حيث أصبحت القوات الأمريكية والإيرانية في تماس مباشر، بينما تتسع رقعة الاشتباك لتشمل البحر والبر والاقتصاد والسياسة في آن واحد.
ويبقى هرمز في قلب المعركة الجديدة حيث يدرك الطرفان أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل هو الشريان الرئيسي لتدفق الطاقة العالمية.
ومن هنا جاءت أهمية المعارك البحرية الأخيرة التي حملت رسائل استراتيجية تتجاوز نتائجها العسكرية المباشرة.
إيران تسعى إلى إثبات قدرتها على التحكم في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بينما تعتبر الولايات المتحدة أن حرية الملاحة في المضيق جزء من أمنها القومي ومكانتها الدولية.
لذلك فإن أي مواجهة في هرمز لا تُقرأ باعتبارها اشتباكاً بحرياً محدوداً، بل باعتبارها معركة على النفوذ والهيمنة وموازين القوة في الخليج.
تحول الصراع بين البلدين من حرب الوكلاء إلى المواجهة المباشرة، إذ أنه ولسنوات طويلة اعتمد الطرفان على سياسة “الحرب بالوكالة”، حيث جرت المواجهات عبر حلفاء وشركاء إقليميين.
أما اليوم، فإن المشهد يبدو مختلفاً،
فالقصف متبادل، واستهداف السفن الحربية، وضرب الرادارات والمنشآت العسكرية، كلها مؤشرات على أن خطوط الاشتباك أصبحت أكثر وضوحاً وأقل قابلية للاحتواء.
ويبدو أن واشنطن لم تعد تكتفي بسياسة الردع التقليدية، بينما ترى طهران أن التراجع في هذه اللحظة قد يهدد مكانتها الإقليمية ومشروعها الاستراتيجي الممتد من الخليج إلى شرق المتوسط.
وتبقي جبهة الاقتصاد والطاقة هي
الجبهة الأخطر وربما لا تكون عسكرية بقدر ما هي اقتصادية ،
فأي اضطراب مستمر في مضيق هرمز يعني ارتفاعاً حاداً في أسعار النفط والغاز، واضطراباً في سلاسل الإمداد العالمية، وعودة شبح التضخم إلى الاقتصادات الكبرى.
ولهذا فإن العالم يتابع التطورات العسكرية بقلق شديد، ليس خوفاً من الصواريخ وحدها، بل من تداعياتها الاقتصادية التي قد تمتد من آسيا إلى أوروبا والولايات المتحدة نفسها.
ومن هنا يمكن فهم سبب التحركات الدولية المتسارعة لمنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.
وفي خلفية المشهد، تظل إسرائيل حاضرة بقوة ،كون التصعيد الأمريكي ضد إيران لا ينفصل عن الحسابات الإسرائيلية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، ولا عن الصراع الدائر على مستقبل النفوذ في الشرق الأوسط.
وتدرك طهران أن أي مواجهة واسعة مع واشنطن قد تتحول سريعاً إلى مواجهة متعددة الأطراف تشارك فيها تل أبيب بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ولهذا تعمل القيادة الإيرانية على توزيع الضغوط العسكرية والسياسية بحيث لا تتحول إلى هدف منفرد لتحالف إقليمي ودولي واسع.
وأحد أهم التحولات الحالية يتمثل في الموقف الخليجي ،فالدول الخليجية تجد نفسها أمام معادلة معقدة؛ فهي لا ترغب في حرب شاملة تهدد منشآتها النفطية واقتصاداتها، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل التحالفات الأمنية القائمة مع الولايات المتحدة.
ومن هنا تحاول بعض العواصم الخليجية لعب دور الوسيط أو تخفيف حدة التصعيد، بينما تراقب بحذر احتمال تحول أراضيها أو مياهها الإقليمية إلى ساحة مواجهة مباشرة.
لكن السؤال الأهم :هل تُفتح جبهات جديدة؟
الاحتمال الأكبر خلال المرحلة المقبلة ليس اندلاع حرب تقليدية شاملة، بل توسع دائرة الاشتباكات على شكل جبهات متزامنة:
-جبهة بحرية في الخليج ومضيق هرمز وبحر عُمان.
-جبهة صاروخية تستهدف قواعد ومصالح عسكرية.
-جبهة إلكترونية تشمل هجمات سيبرانية متبادلة.
-جبهة اقتصادية عبر العقوبات وإرباك أسواق الطاقة.
-جبهة سياسية ودبلوماسية لإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية.
وهذا النمط من الصراعات يمنح الطرفين فرصة ممارسة أقصى درجات الضغط دون الانزلاق الكامل إلى حرب عالمية مفتوحة.
أخيرا ..ما يجري اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية عابرة بين واشنطن وطهران، بل صراع على شكل النظام الإقليمي القادم في الشرق الأوسط.
فكل صاروخ يُطلق في مضيق هرمز، وكل سفينة تُستهدف في بحر عُمان، وكل قاعدة عسكرية تدخل دائرة النار، تعكس حقيقة واحدة: المنطقة تعيش مرحلة إعادة توزيع للقوة والنفوذ.
وفي ظل غياب تسوية سياسية حقيقية، فإن الشرق الأوسط يقف على أعتاب مرحلة قد تكون الأخطر منذ عقود، حيث تتعدد الجبهات، وتتداخل المصالح، وتصبح شرارة واحدة كافية لإشعال حريق يمتد من مياه الخليج إلى أسواق العالم.

زر الذهاب إلى الأعلى