صفوت عباس يكتب: «دقيق التسعيرة يضبط السوق!»

كانت عبارة دقيق التسعيرة تستخدم قديماً في محيطنا كمرادف لدقيق المستودعات المدعم. كان من يعمل في الزراعة أو القادرون يوفرون لأنفسهم قمحاً جيداً، بينما يلجأ البسطاء إلى دقيق التسعيرة المدعم، وكان الأمر لا يخلو من سخرية وتعالٍ على هؤلاء بسبب رداءة جودته.
عنصر الندرة أساسياً في تعريفات علم الاقتصاد، إلى درجة أنه يمكن تخيل لو لم تكن هناك ندرة لما وُجد هذا العلم. فالاقتصاد وُجد أصلاً للبحث عن حلول ومواءمات للتعامل مع الندرة بأكبر قدر من الارتياح. كل من وقع في ضيق مادي وتعامل معه بتدبير وكد وفكر في تجاوزه بالكسب أو الإنتاج او في الحاله الاسواء بقروض بشروط فقد مارس فعلاً اقتصادياً. والاقتصاد تطبيقياً يمارسه الجميع حتى لو لم يدرسوه.
مؤخراً تناثرت أنباء عن وزير التموين تفيد بأن تطبيق الدعم النقدي بدلاً من الدعم العيني في منظومة التموين أصبح جاهزاً للتنفيذ. والحجة أن الدعم العيني يشوبه عوار وعدم عدالة وسوء استغلال وإهدار للسلع.
نحن أمام موضوع قديم حديث مستقبلي مليء بالجدل، ولا يزال الغموض يكتنف المنطق الحقيقي وراء التحول من الدعم العيني إلى النقدي: هل هو رفع للدعم أم ترشيد له فقط؟
تاريخياً بدأ الدعم خلال الحرب العالمية الثانية في عهد الملك فاروق ثم تحول إلى نظام دائم، وتوسع كثيراً بعد ثورة 1952 في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وكان يشمل عشرات السلع قبل أن يُقلص تدريجياً إلى الخبز البلدي وبعض السلع الأساسية عبر البطاقات الذكية.
يُنتقد الدعم العيني بأنه يذهب إلى غير مستحقين ويُهدر في استخدام الدقيق والخبز كعلف للماشية والدواجن، ويفتح أبواب سوق سوداء واسعة. ورغم وجود آليات لاستبعاد الموسرين إلا أن فعاليتها محل شك، ولا تزال الثقة في كفاءة التوزيع غير مكتملة.
اقتصادياً، فإن تحويل الدعم إلى نقدي سيحول جزءاً كبيراً من الاستهلاك المضمون إلى طلب حر على السلع في سوق غير منضبط. وبحسب موازنة ٢٠٢٥ _٢٠٢٦ يبلغ إجمالي الدعم حوالي ١٦٠ مليار جنيه، منها ١٢٤ مليار للخبز. وهذا الطلب الإضافي في بلد يستورد معظم غذائه قد يؤدي إلى ضغط تضخمي قوي يرفع الأسعار بشدة. كما أن الحماية التي يوفرها الدعم العيني ستفقد، إلا إذا توفرت منافذ توزيع فعالة تضمن السلع بجودة وسعر مناسب، وهو ما يعيدنا إلى المشكلات القديمة.
بعض احتياجات الفقراء الأساسية كالتموين والصحة والتعليم لا يجب الاقتراب منها الا بتحسين واضافه ولاتترك لتجارب واختبارات غير مضمونه النتائج وفعلها لايجب إلا بضمانات قوية، لأن استسهال هذا التحول دون تدقيق لحركة السوق قد يؤدي إلى إهدار هذا الإنفاق الضخم.
المواطن الفقير يحتاج حلولاً تضمن له يسراً وراحة في تلبيه احتياجاته الاساسيه وفكره الدغم وان كانت يغلب عليها طابع اشتراكي في عالم بلا مله في تصرفه وافكاره الا انها بمردود راسمالي عظيم حيث تضمن جانبا كبيرا من الامن والسلام الاجتماعي والعام.










