عبد المعطى أحمد يكتب: أكثر من 160 سنة عمر “التكية “

فى عام 1823 تأسست التكية المصرية فى مكة المكرمة, بأمر من محمد على باشا زمن الخلافة العثمانية، لتكون واحدة من أبرز المؤسسات الخيرية فى الحجاز, ُوأقيمت التكية فى حى “أجياد” التاريخي بالقرب من المسجد الحرام، بهدف تقديم رعاية متكاملة ومجانية لفقراء الحرم المكى, وحجاج بيت الله الحرام من كافة الجنسيات، تجسيدًا للدور الإنسانى والدينى الذى اضطلعت به مصر فى خدمة البقاع المقدسة لقرون طويلة, وتميزت التكية بنظام إدارى ولوجستي دقيق ومستدام، حيث كانت تعتمد فى تمويلها بشكل أساسى على أوقاف الأراضى والزراعات التي خصصها لها المصريون في منطقة الدلتا والصعيد للإنفاق على الحرمين.
كانت التكية تضم مطابخ ضخمة, لطهي ووجبات الطعام وتوزيع الخبز يوميًا، ومخازن شاسعة للحبوب والغلال التى تأتى عبر البحر الأحمر، بالإضافة إلى مستوصف طبي مجهز بأطباء وصيدلية, لتقديم الرعاية الصحية والأدوية للمرضى من الحجاج والمجاورين مجانًا.
ورغم خروج مصر من شبة الجزيرة العربية عام 1840 وانتهاء سيطرتها السياسية المباشرة على أرض الحجاز ، فقد ظل الحجاز يعتمد على ما ترسله مصر سنوياً من خيرات ومخصصات للحرمين الشريفين، وللإنفاق على القبائل العربية، فيما عرف باسم مخصصات الحرمين والصرة الشريفة، بالإضافة لكسوة الكعبة التي كانت تصنع فى القاهرة, وكتب إبراهيم رفعت باشا – الذي كان يتولى حراسة المحمل المصرى الذى ينقل كسوة الكعبة – عن التكيتان المصريتان فى مكة والمدينة، في الجزء الأول من كتابه “مرآة الحرمين” صفحة 185مايلى :” التكية المصرية هى من الآثار الجليلة ذات الخيرات العميمة ، وأنها نعمت صدقة جارية لمسديها ثواب جزيل وأجر عظيم ، وقد أنشأها ساكن الجنان محمد على باشا رأس الأسرة الخديوية في سنة 1238 هجرية, وقد خصص محمد على هذه التكية لخدمة فقراء الحرم المكي من جميع الجنسيات والشعوب المختلفة الذين أعوزتهم الحاجة, ولا يجدون مأوى يأوون إليه, ولا يجدون طعاما يقيمون به أودهم.” وأضاف: “يرد إليها من الفقراء فى الصباح والمساء، فيتناول الفقير في كل مرة رغيفين, وشيئا من “الشربة”, وربما أعُطى أكثر من ذلك إن كان فقره مدقعا, وكثير من نساء مكة وحواريها الفقراء يتعيشن بما يأخذن ويكتفين بذلك عن مسألة الناس, ويصرف يوميا من الخبز والأرز واللحوم والسمن, وتزيد الكميات كل يوم خميس ، وكذلك طوال أيام شهر رمضان المبارك ، وأيام الحج.”
وكان عدد الأشخاص المستفيدين يوميا من تكية مكة في الأيام العادية أكثر من 400 شخص ، ويزيد العدد فى شهر رمضان وما يليه من شهور ليصل إلى أكثر من 4 آلاف شخص فى اليوم الواحد خلال موسم الحج.
وللتكية ناظر ومعاون وكتبة يقومون جميعا بخدمة الفقراء, وبها طاحونة لطحن القمح , وفيها مطبخ واسع به ثمانية أماكن يوضع عليها أوان ثمان من ذات الحجم الكبير (قزانات ), وفيها مخبز ذو بابين يخبز به العيش, ومخزن, وحجر للمستخدمين.
وفي مدة الحج يسكنها بعض عمال المحمل, كالطبيب والصيدلي وكاتب القسم العسكري, كما وكانت خدمة تكية مكة والإنفاق عليها ميدانا للتسابق بين حكام الأسرة العلوية، وكان للخديوى عباس حلمى الثانى فضائل على التكية.
ويصف لنا رفعت باشا الجو الروحانى للتكية من الداخل فيقول: “ولو سمعت الأدعية المتصاعدة من قلوب الفقراء لرب هذه النعمة, لأكبرت هذا العمل، وانساقت نفسك إلى أمثاله إن كان لديك سعة فى المال وبسطة”.
وفي عام 1909 بلغت النفقات على التكيتين فى مكة و المدينة 1960 جنيه ذهب مصري (وزن الواحد 7.43 جرام ذهب)، ما يعادل اليوم: 2,11 مليون دولار, أى حوالى 7.92 مليون ريال سعودى, فيما بلغ إجمالي نفقات مصر الخيرية فى الحرمين بنفس العام 50 ألف جنيه ما يعادل اليوم: 53,9 مليون دولار,أى حوالى 202.20 مليون ريال سعودى.
واستمرت هذه المؤسسة العريقة فى أداء رسالتها الإنسانية على مدار أكثر من 160 عامًا، عاصرت خلالها تبدل الأنظمة السياسية فى مصر والحجاز مع الحفاظ على دورها الإغاثى, وظلت أبواب تكية مكة مفتوحة تقدم خدماتها، حتى تم هدم هذا المبنى التاريخي العريق عام 1983 بأوامر من السلطات السعودية. رغم أن الأرض التى أقيمت عليها التكية وقف مصرى كانت تشرف عليها وزارة الأوقاف المصرية, ولكن تظل التكية محفورة في الذاكرة التاريخية كرمز للترابط والتكافل الإسلامي، ولدور المصريين في خدمة الحرمين.
ويذكر أنه تم بناء تكية مصرية أخرى في المدينة المنورة، لنفس الغرض الخيرى، بنيت في عام 1816، كانت تقع بمنطقة المناخة، واشتهرت بتقديم الطعام، وتسيير “الصرة”، وإيواء الفقراء والحجاج, وأيضاً هدمها النظام السعودي.
ياله من حلم جميل! شاب مصرى إسمه محمد صلاح, يبدأ حياته من الصفر, بل ومن تحت الصفر, ويصبح فى غضون سنوات قليلة, أفضل لاعب فى العالم, وأكثرهم شهرة وشعبية وتأثيرا. لم نكن نتمنى أجمل من ذلك. حقق المستحيل, ورفع إسمه وعلم مصر عاليا فى كل مكان. أفضل لاعب مصرى وعربى وإفريقى عبر التاريخ, وأحد أفضل لاعبى العالم بلا جدال, وأكثرهم دخلا , وأعلاهم راتبا. مطاعم وكافيهات مصر “لحم أكتافها” من خير هذا اللاعب, فقد كانت المقاعد يتم حجزها قبل مباريات ليفربول بساعات, لمشاهدته, وتشجيعه, والتصفيق له مع كل لمسة وهدف. آلاف الصفحات على الانترنت استرزقت على حسابه, بنشر أخباره وصوره, وتقييماته, وتعليقات الصحف العالمية والخبراء عنه بعد كل مباراة. كم هدفا سجل, وكم هدفا صنع. فرصه الضائعة , ومراوغاته, وسباقات السرعة التى كان ينطلق فيها كالطائرة النفاثة. ودع صلاح ليفربول على أنغام هتاف صنع له خصيصا:” مو صلاح.. الملك المصرى.. ينطلق عبر الجناح”. لم يودع الجمهور الانجليزى لاعبا بهذا الحب والحرارة. بكى, وبكوا معه, وبكينا معهم!, وأملنا فى أن يبدأ الحلم المصرى فصلا جديدا جميلا آخر مع الفريق الذى سينتقل إليه”مو” هذا الصيف.
فى مثل هذا اليوم من عام 1899 تم تعيين الشيخ محمد عبده مفتيا للديار المصرية, وهو أول مفتى لمصر بعيدا عن مشيخة الأزهر. ولد فى محافظة البحيرة عام 1849, وتعلم القراءة والكتابة فى منزل أبيه, وحفظ القرآن وهو فى العاشرة من عمره, والتحق بالأزهر وحصل على شهادة العالمية, وألقى دروسا فى المنطق وعلوم الكلام والتوحيد والأخلاق, وامتازت دروسه بمنهج جديد, وأصدر نحو 944 فتوى مسجلة بسجلات دار الافتاء, وكان 80%منها فتاوى خاصة بالحياة المالية والاقتصادية ومشاكل الأسرة.
فى شوارع مصر القديمة, كانت كلمة” ابن البلد” تقال بفخر كبير, فهى لاتعنى مجرد الانتماء إلى منطقة شعبية أو حى قديم, بل كانت وصفا لرجل يتحلى بالشهامة, والجدعنة واحترام الكبير, ومساعدة الغريب, والدفاع عن الضعيف دون انتظار مقابل, وكان الناس يتباهون بأن بينهم “رجالة” يقفون إلى جوار بعضهم البعض فى الأزمات, لكن مع مرور السنوات, اختفت أخلاق ولاد البلد, وأصبحت الشهامة أقل حضورا فى الشارع المصرى.!
ضغوط الحياة الاقتصادية لعبت دورا كبيرا فى تغير سلوكيات الناس, فمع ارتفاع تكاليف المعيشة وزيادة الضغوط اليومية, وسرعة الحياة الحديثة أصبح كثيرون منشغلين بأنفسهم ومشكلاتهم الخاصة, مما تسبب فى خلق حالة من الجفاء الاجتماعى, فلم يعد الجار يعرف جاره كما كان يحدث قديما.
حين تنجح أى دولة فى بناء الانسان القادر على التفكير والعمل والانتماء, فإنها تكون قد وضعت بالفعل أول خطوة حقيقية نحو المستقبل.
مواقع التواصل الاجتماعى غيرت مفهوم الشهامة, وحولتها إلى مجرد فيديو يصور من أجل الترند, كما أن بعض الأعمال الدرامية ساهمت فى تقديم صورة مشوهة لمعنى الرجولة, فربطت الرجولة بالعنف والصوت المرتفع والبلطجة, بينما كانت الرجولة الحقيقية قديما تعنى الاحترام وضبط النفس وتحمل المسئولية.
أقول لكل شاب مصرى يدرس الطب: أنت لست مجرد طالب مهنة, بل حلقة فى سلسلة ذهبية تمتد إلى خمسة آلاف عام. أمحوتب وابن النفيس وعلى ابراهيم ومحمد غنيم ومجدى يعقوب هم رفاقك فى الرحلة. خيط ذهبى لاينقطع يربط بينكم. الخيط يمتد, فهل أنت مستعد لتحمله؟
إذا كان من المهم معرفة امكانات وقدرات عدوك, فمن المهم أكثر أن تتفوق عليه, ولن يأتى ذلك إلا بالعلم والعلماء.










